الجمعة، 27 مايو 2016

صور نادرة من دفتر ذاكرة قناة السويس - مقالي بمجلة "المجلة" عدد أبريل 2016

أحد مواقع الحفر الجاف أثناء العمل في شق الممر المائي تصوير جاستين كوزويلسكي

وقف العملاق الأسمر سامقاً بكل فخر وجلال محدقاً بعينيه اللامعتين الآسرتين في عشرات الألوف من البشر الواقفين بإصرار دؤوب لم يوهن من قوته حرارة شهر يوليو القاتلة ، عيونهم معلقة بشفتيه وقلوبهم تغلي بحماسة كرامة يريدون الثأر لها وفجأة صاح الزعيم بصوت شجي صادحاً جملته الشهيرة التي مازال صداها يتردد في تاريخنا كأنشودة مجد تليد "قرار رئيس الجمهورية بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية
باسم الأمة ... باسم الأمة
رئيس الجمهورية
مادة واحد تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية....."
هذه الكلمات لم تكن مجرد رد على رفض تمويل السد العالي ولم تكن مجرد إعلان لاسترداد لأرض مصرية بل كانت كلمة الفصل والختام في واحدة من أهم المعارك التي دارت بين الإمبريالية والقومية وكانت كلمة الفصل التي أعلنت انتهاء عصر الاستعمار الأوروبي واسطورة الرجل الأبيض حامل مشعل المدنية للهمج المتخلفين هذه المعركة التي اسدل الستار عليها في 26يوليو1956م بدأت أول فصولها في 24أبريل1859م عندما اعلن الخديوي إسماعيل في ذلك الوقت بداية الحفر في قناة السويس وعلى الرغم من سقوط مئات الألوف من المصريين ضحايا للكوليرا والتيفود وسوء التغذية في السنوات الخمس الأولى من حفر القنال صورت عملية الحفر على أنها إنجاز أوروبي من الألف إلى الياء فخر للإمبراطوريات التي استطاعت بقوة العلم والتكنولوجيا وعظمة المخترعات والآلات التي صممت خصيصاً للعمل في هذا الإنجاز الذي وجد لتمخر بواخر وأساطيل الإمبراطوريات عباب المحيطات حاملة مشاعل المدنية وعائدة بكنوز المستضعفين تحت دعوى إخراجهم من دياجير الهمجية ولكي ترسخ هذه الأسطورة في الضمير الغربي كان لابد من استخدام سلاح الإستشراق وتقديم صورة للمنجز الغربي للجمهور عن طريق الكتابة وتنظيم الرحلات والسلاح الأهم في تلك الفترة وهو سلاح الصورة ،الصورة دائماً بألف كلمة ولذلك كانت الصورة هي السلاح الأهم لإثبات حجة التفوق الحضاري أو كما يقول مارتن هايدجر "الحدث الأساس للعصر الحديث هو فتح العالم بوصفه صورة" وهذا الكلام هو شرح لما قاله جيرار دي نيرفال عندما وصف آلة التصوير الفوتوغرافي بأنها "أداة الصبر إذ تدمر الأوهام وتضع قبالة كل شكل مرآة حقيقية"،ولكنها بالفعل ليست الحقيقة فالحقيقة هي أن مصوري الفوتوغرافيا يشكلون العالم من وجهة نظرهم وكما يريدونه هم ويستبعدون العناصر التي لا يرغبونها بشكل سلبي، ولذلك ومنذ فجر إختراع التصوير مولت الإمبراطوريات الإستعمارية البعثات التصويرية ومن قبلها بعثات الرسامين المستشرقين واهتمت بخلق صورة معينة عن الشرق وسعت لترسيخها في ذهن مواطنيها لإشعارهم بالتفوق وبالدور الحضاري الذي عليهم أن يلعبوه في الشرق ولأن مشروعاً استعمارياً بالدرجة الأولى ولأن شركة قناة السويس للملاحة البحرية كانت نموذجاً مماثلاً لشركة الهند الشرقية ولها نفس الأهداف فقد شجعت هذه الشركة المصورين الفوتوغرافين على توثيق إنجازها الذي اعتبر تتويجاً لعصر الحداثة والمخترعات العلمية فإختراع المحرك البخاري واسطورة شق الصحراء التي تحولت إلى حقيقة كانت إيذاناً بعصر جديد أصبحت فيه الطرق والمواصلات والاتصالات أكثر سهولة ويسر وقد استجاب المصورين لهذه الدعوة بسرعة بسبب دعم الحكومات والأرباح التجارية المتوقعة من تهافت الغربيين على شراء هذه الصور سواء لمشاهدة المنجز الجبار أو رؤية كيف تحولت ضفتي القناةإلى مدن على الطراز الأوروبي الحديث في قلب الشرق على الطريق الواصل بين ضفتي العالم وبين حضارة الفراعنة والأرض المقدسة الأماكن التي سعى وعاش فيها أنبياء العهدين القديم والجديد كذلك أرادت الشركة بهذه الصور والألبومات التي غزت أوروبا والعالم إثبات مدى أمان الممر الملاحي الجديد واتساعه وصلاحيته لمرور السفن الحديثة.
كان من أوائل المصورين الفوتوغرافين الذين ذهبوا إلى منطقة القنال واستقروا فيها وافتتحوا استوديو في بورسعيد الفرنسي هيبوليت أرنو Hippolyte Arnoux والذي لقب أيضاً بمصور الشركة العظمى ولم يذكر التاريخ الكثير عن الرجل حتى أن تارخي ميلاده ووفاته غير معلومين الثابت أنه بدأ عمله في مصر ككثيرين من أقرانه بالقاهرة في بدايات ستينيات القرن التاسع عشر وكان مصوراً للكروت السياحية والصور الاستشراقية التجارية بالإضافة إلى صور الاثار ورحلات الحج للأراضي المقدسة في فلسطين كما قام برحلات إلى السودان والصومال وأثيوبيا وألبومات هذه الرحلات تضمها المكتبة الوطنية الفرنسية الآن ،ولكن سرعان ما تحول اهتمام آرنو ربما بحكم أنه فرنسي وأن مشروع القناة كان مشروعاً فرنسياً إلى قناة السويس تحت شعار بدلاً من تصوير الماضي في الواديتصوير الحداثة في قناة السويس أو تصوير المستقبل كما أسماه وهكذا شد آرنو الرحال إلى بورسعيد حيث بدأ بتوثيق الحفر في برزخ السويس خطوة بخطوة في أحد عشر ألبوم هم الان من مقتنيات الأرشيف الوطني الفرنسي ، وكان آرنو قد افتتح استوديو في الميدان الرئيس ببورسعيد وأسماه استوديو القنال كما اشترى مركباً أسماه مصور القناة وضع فيه غرفة مظلمة للتحميض الفوري للصور الفوتوغرافية ،وآرنو نفسه هو صاحب ألبوم قناة السويس Album du Canal de Suez الذي طبع في بورسعيد ووزع في جناح قناة السويس بمعرض باريس1889م وتصدرته صورة فرديناند ديلسيبس وضم صوراً لتطور العمل في القناة منذ البدأ فيه وحتى انتهائه وحركة الملاحة والحياة في مدن القناة أيضاً وقد دخل آرنو في شراكة مع اثنين من المصورين هما الأخوين زنجاكي اليونانيين Adelphoi Zangaki جورجيوس(1845م- 1895م) وقنسطنطين(1845م- 1916م) الذين جاءا إلى مصر كمصورين تجاريين ووزع الأخوين جهودهما بين القاهرة حيث المناظر الإستشراقية والآثار وبين بورسعيد وضفاف القناة بمساعدة من أسموهم بالعربان ملتقطين الصور من البر بينما يلتقط شريكهم آرنو صورة من البحر وقد تضمن ألبومهم صور من مصر بعض من صورهم للقناة التي يوجد نسخ من أغلبها في المكتبة البريطانية.
جستين كوزلوسكي Justin Kozlowski ولا يعرف عنه أكثر من أنه كان لاجئاً بولندياً لفرنسا منذ عام 1830م وأن له ألبوم واحد بعنوان إنشاءات قناة السويس Construction of the Suez Canal ضمن فيه صور للإنشاءات والأبنية وأعمال ىالبناء في القناة منذ 1869م وكل ما يعرف عنه أنه هاجر إلى الولايات المتحدة في سبعينيات القرن.
فرانسيس فريث Francis Frith (1822م- 1898م) لم يكن فرانسيس فريث مقيماً في منطقة القناة ولا في مصر بل كان مصوراً إستشراقياً يجوب الشرق الأوسط وقام بعدة رحلات لتصوير مصر والأراضي المقدسة وكانت القناة إحدى محطاته في رحلته الثالثة 1860م وقد استخدم كمصور جوال تقنيات الكولودين على الزجاج وكان يقوم بالتحميض في خيمة صغيرة ومازالت شركة فريث وشركاة في لندن تبيع نسخ من صور فريث وقد أصبحت هذه الشركة التي أسسها عام1859م إحدى أهم أستوديوهات التصوير في العالم.
ويلهم همرشميدت Wilhem Hammerschmidt ولد شميدت في حدود1830م وعمل في برلين والقاهرة في الفترة من 1858م ل1870م وأدار للمصور الفرنسي الشهير فيلكس بونفيلس الأستديو الذي افتتحه لفترة في القاهرة وكانت صور هامر شميدت تتميز بالتقنية العالية والحفاظ على طابع الإضاءة الساطع لمنطقة جنوب المتوسط وفي بداية عمله في مصر عمل في الرحلات النيلية في مصر والسودان وكذلك في الصحراء الليبية وتميزت صورة بالبانورامية التي اكتسبها من تصوير الرحلات وقد عرض هامر شميدت صورة في المعرض العالمي في باريس وطبقاً لموسوعة فوتوغرافيا القرن التاسع عشر فإن صور إحتفالات افتتاح قناة السويس1869م والتي طافت العالم ونشرت على نطاق واسع بعد هذه المناسبة تعود إلى ويلهم هامر شميدت ولم يعرف شيء عن حياته بعد هذا التاريخ ،ولم يكن هؤلاء فقط هم من قاموا بتصوير القناة بل أصبحت القناة محجة للمصورين والرحالة والمستكشفين الأقل احترافية أو الذين مروا بها مروراً عابراً في إطار رحلاتهم وقاموا بتصوير المراكب والسفن والمدن أما المصورين المحترفين الذين ربما صوروا الأشخاص والمدن بغرض جني الربح وصناعة الكروت بوستال للعابرين والألبومات التي شاركوا فيها في المعارض العالمية وبيعت في المتاجر الأوروبية ، فإن اهتمامهم الرئيس كان بالمشروع العملاق ولذلك ورغم تنوع مشاربهم واختلاف المدة التي قضوها على ضفة القناة إلا أن صورهم كانت في أغلبها يجمعها الطابع الهندسي والمنظور الأفقي أو الرأسي العمودي مع اتخاذ زوايا رؤيا لتضخيم الآلات أو المراكب والمعالم التي في الصورة أما العنصرالبشري القليل جداً في الصور فكان كعامل مساعد لإيضاح الضخامة وإضفاء الجلال على الصورة الهدف الرئيس كان الرهبة والقوة والعظمة لم يختلف في هذا مصور عن آخر كان للصور هدف واحد إظهار التفوق وتعضيد مجد الإمبراطوريات الاستعمارية معمرة الصحراء ،فالصورة كانت سلاحاً لإظهار التفوق استخدم على مدار أعوام حفر القناة ومابعدها كما استخدم مرة أخرى أيضاً عندما أحتل الإنجليز مصر في العام1882م بهدف حماية المصالح الأجنبية والملاحة في القناة أيضاً فصور آرنو نفسه وأيضاً الأخوين زانجاكي الإسكندرية التي حطمتها مدافع أسطول ويلسلي في العام1882م وسوتها بالأرض صور هؤلاء ومعهم مجموعة من المصورين الأجانب الآخرين أبرزهم الإيطالي لويجي فيوريللو المدافع المدمرة والمباني المهدمة وجثث القتلى من جيش عرابي والمدنيين العزل في الاسكندرية  والتل الكبير بل إن فيوريللي طبع ألبوماً كاملاً لما سمي بالحرب الأنجلو مصرية محققاً أرباحاً هائلة وصور زانجاكي نفسه مع المدافع والجثث بينما اكتفى آرنو بصور الأشلاء الممزقة والعتاد المحطم على طريق التل الكبير ،وكانت صورة ميدان المنشية (القناصل في تلك الفترة) الذي سوي بالأرض رمزاً لعظمة وجلال الإمبراطورية البريطانية ومصدر فخار لأبناءها ربما كان هذا هو السبب الذي دفع عبد الناصر ليعلن قرار التأميم1956م من قلب الميدان نفسه ليكتب بكلماته بداية نهاية عصر كامل من الإمبريالية الفرنسية البريطانية وتسجل الصورة الفوتوغرافية والمتحركة هذه المرة أيضاً لحظة النهاية في مصر كما سجلت لحظات البداية فيها وتعود مصر للمصريين.




الحفار العملاق أعمال البناء في القناة -جاستين كوزويلسكي

الحفار العملاق أعمال البناء في منطقة السيرابيوم بالقناة-جاستين كوزويلسكي

رصيف الفحم ببورتوفيق -تصوير جاستين كوزويلسكي

عمال الحفر الإيطاليين والأجانب وتظهر في خلفية الصورة معدات الحفر الحديثة - تصوير جاستين كوزويلسكي

عمال الحفر الإيطاليين والأجانب ومسؤولين من إدارة القناة مع موظفين حكوميين مصريين وتظهر في خلفية الصورة معدات الحفر الحديثة - تصوير جاستين كوزويلسكيز

غلاف ألبوم جاستين كوزويلسكي السويس

منصة الاستقبال الرئيسية - تصوير ويلهلم هامر شميدت

غلاف ألبوم هيبوليت أرنو لصور قناة السويس -بورسعيد

قوافل العربان القاطنين في منطقة القناة   - تصوير أرنو

قوافل لنقل الإمدادات للعاملين في بداية أعمال الحفر - تصوير أرنو

مرور قافلة من السفن ويظهر في الخلفية مبنى شركة قناة السويس للملاحة تصوير هيبوليت أرنو1875









رسام البلد حامد عبد الله ... عاشق الأرض والروح - مقالي بمجلة الهلال عدد مارس 2016



"لكل قرية فنانها المجهول الذي يبني بيوتها ويزين واجهاتها بطريقة خلاقة مستعملاً زخارف هندسية وصوراً بدائية ويدخل في صلبها نصوصاً مقدسة" هذا التصريح الذي هو جزئ من حوار أجراه الفنان الكبير حامد عبد الله (1917م- 1985م) لمجلة كنست الدنماركية عام 1958م لخص ما أنجزه الرجل في مسيرة حياته والهدف الذي سعى إليه فيها وهو أن يكون ببساطة رسام البلد، والبلد هنا هي مصر كلها وليس فقط القرية، مصر التي ارتبط بها بحالة عشق صوفية جعلته يفني عمره في البحث في المرئي واللالامرئي في دراسة الرسم والتصوير والتقنية والفلسفة والعلوم ليطوف العالم خلف المعرفة والبحث منذ بداية رحلته وحتى آخرها ليعطي أرض معشوقته ترابها وناسها وهواءها وطبيعتها حالة كونية يخلقها بعينه ورؤيته ويمنحها للعالم كله حتى يعرف عظمتها ويسمع كلمتها ،حلم عبد الله بأن يكون رسام البلد بدأ مع تفتح وعيه فالطفل الذي كان مولعاً بشدة بالتحديق في وجوه أقاربه عرف هدفه يوم رسم له عمه أسداً من مخيلته فعل أيقظ فيه الدهشة والشغف والحلم ،حلم راوده يومها وظل يسعى لتحقيقه طوال حياته وحتى آخر لحظاته كان لحلمه شقين لخصهما في مقولتين الأولى "إني أسعى لتصوير الشعب للشعب وأتمنى أن أتمكن من التعبير عن آمال الشعب وعن كفاحه في الحياة" ،والثانية "لغة الرسم هي لغة العالم إني شديد الإهتمام بالتفاهم بين البشر في العالم وإني أدرس حثيثاً هذا الموضوع من خلال علاقته بالفن ربما توجد بعض الإختلافات بين شخص وآخر لكنها غير موجودة بالضرورة بين البشر" وفي قوله أيضاً "لنا تاريخ أن الفن وحده قادر على خلق علاقات بين الأمم رغم كل شيء لأنه يتحاور مع الإنسان في كل الأزمنة والأمكنة وهو ثمين جداً لهذا السبب".
منذ اللحظات الأولى لمشواره حدد حامد عبد الله هدفه وخاض رحلته في الزمان والمكان لتحقيقه  ومنذ بدايات مشواره أدرك إبن حي المنيل سليل الفلاحين وأبناء البلد أن عليه دوماً أن يدرك أن عمله الفني المحمل بروح شعبه وهواء وطنه لابد أن يكون متفرداً وشخصياً ونابعاً من إيمان ورؤية خاصة به وأن عليه دائماً أن يحرص على التوازن بين الفكر والتقنية وأن عليه أيضاً أن يبدع عالمه الخاص عالم لا يقتبس عناصره من الطبيعه ولكنه يقوم على الواقع على أسلوب حياة البشر وتفاعلهم مع الواقع العميق لوجودهم الإنساني بعيداً عن قشرة المظهر الخارجية فحامد عبد الله ليس فناناً تجريدياً هو نفسه يقول عن نفسه "إلا أن مبدئي كفنان شرقي هو أن أرسم الطبيعة كما أراها بفكري لا كما أراها بعيني"،  إنه دائماً ما يحتفظ بتلك العلاقة المتينة مع الحياة الواقعية رغم البعد عن التمثيل الطبيعي وهو ما تؤكده لوحاته منذ البدايات مثل السوق1940م ،في المقهى1938م وتأمل 1951م حيث أدرك حامد أن دوره كفنان هو التعبير وليس الحكاية أو كما يقول "الفن يعبر ولا يروي يشير ولا يشرح"، فاستلهم عبد الله مصر بطبيعتها بألوانها بأجساد أبناءها البسطاء العمال والفلاحين بتلألؤ ضوء الشمس فوق النيل استلهم خطه من تشققات أرض الفلاحين فظهر الخط الأسود القوي المميز إلى جوار اللون الأبيض والألوان الساطعة ورويداً رويداً بدأت العلاقة بين الشكل والفراغ تتحد وأصبح له سمات أكثر نحتيه ووضوحاً وهكذا طور عبد الله أسلوب رسام البلد الذي جعله متفرداً عن أقرانه ومعاصريه هذا الأسلوب الذي جعل قاموس "بيتي لاروس" الفرنسي للفنون يثني عليه مشيراً إلى أن "الدور التثقيفي الذي يلعبه هو استبعاده المشاهد الخلابة للفضاء الواقعي من عمله ليطوع موضوعاته لمتطلبات البناء التشكيلي فهو رفض الفن الرسمي من أجل أن يطور أسلوبه الشخصي المتواصل مع حقيقة الواقع المصري وعلى مدى أكثر من خمسين عاماً عمل دون توقف مخلفاً وراءه عدداً كبيراً من الأعمال الفنية واللوحات والأعمال الليثوغرافية لتشهد لنا هذه الأعمال اليوم عن بحثه الدائم وعن إبداعه الذي لم يتوقف عند حد".
لكي يصل عبد الله لهذا الأسلوب لم يكتفي الفتى الذي رفضته مدرسة الفنون الجميلة لأنه لم يحصل على الثانوية وكان حظه من التحصيل الدراسي شهادة من قسم الحديد المشغول في معهد الفنون التطبيقية المجاني بالجيزة بدراسة تاريخ الفن العالمي وسير كبار الفنانين العالميين وكتب الفلسفة والأدب والسياسة وعلم الجمال بل سافر إلى عمق مصر إلى قلب النوبة وأسوان درس الفن الفرعوني والبطلمي والروماني والقبطي والإسلامي وظل منحازاً للشعب للفن الشعبي وللإنسان الشعبي وللتعبير الشعبي حتى وهو في إقامته الأولى في باريس كان مهموماً رغم صعود نجمه بأهله مما دفعه ليكتب وهو في مدينة النور سنة1951م نصاً أسماه الطريق قال فيه "الطريق الذي أعنيه ليس الطريق الذي يسلكه الفرد ذهاباً وجيئة بل طريق الحياة، الطريق الذي أعنيه هو طريق الناس طريق من إذا فهم أعداء الحياة مرارة الشقاء.. بل شقاء الجبابرة الذين تلقوا ضربات القرون في إحتمال بطولي من لا يملكون شيئاً غير النفوس الكبيرة المفعمة بالأمل".
عاد عبد الله إلى مصر وشارك بدور فعال في إحياء الحركة الفنية في مصر بعد ثورة1952م وفي العام1956م جاب العالم في جولة معارض في باريس وأمستردام وروتردام وكوبنهاجن ،شارك في قضايا بلده منذ العدوان الثلاثي وشارك في الحرب ضد الصهيونية ظل مهموماً بوطنه ممثلاً له فكتب في دراسة له "تنتمي أعمالي إلى التقاليد العربية المصرية إنها تتموضع في مسار تطور حضارتنا ،ليست غلطتي إذا تم التعرف في عملي على بعض العناصر التي كنتم أنتم الغربيون قد استوحيتموها من حضارتنا" ،الحقيقة أن عبد الله لم يهمل يوماً الفن الغربي وتقاليد المدارس الغربية بل وأيضاً الفن الصيني والياباني والفنون الشرقية بوجه عام لكنه مزجها جميعاً مع موروث قبطي فرعوني إسلامي شعبي ومناظر من ذاكرة الحياة اليومية وأضاف له رؤيته وطابعه وأسلوبه ليعطي متلقيه عملاً فنياً بمثابة رحلة زمانية مكانية تحمل فرادة أسلوب حامد عبد الله وملامحه الخاصة لذلك قال أيضاً "على الفنان أن ينظر عبر الآخرين وأن يرى التقاليد الثقافية للشعوب الأخرى ليستطيع أن يتعرف فعلاً على ثقافته من جهة أخرى كنت أطمح ومازلت بأن يكون عملي بطريقة ما جسراً بين عالمينا وأن يساعد على خلق تفاهم مشترك" ،كانت رحلته كنيسة البلاتين في باليرمو العام 1957م مثال على هذا فكما قال الناقد الإيطالي فرانكو غراسو "هنا بحث حامد عبد الله عن أكثر من إلهام ،لقد بحث عن ذكريات متجذرة في اللاوعي عن ماضيه وهو ما يثبت نبل وعراقة فنه وأصالته" ،مثال على معرفة كيفية بناء هذا الجسر وجوه البلاتين التي رسمها وكانت بداية لما أسماه ارتجالات خطية فيما بعد ثم جاء تصريح الناقد الدنماركي بولزان "أن عبد الله هو شعلة حقيقية عاصفة من الصحراء الحارقة أمامنا الكثير لنتعلمه منه" بمثابة دليل على نجاحه في تحقيق هدفه ،ولم يبخل حامد عبد الله بخلاصة أبحاثه ودراساته بل كتب دراسة عن التأثر المتبادل بين الشرق والغرب ودراسة أخرى عن رمبرانت وجيوتو وسيزان ومواضيع فنية أخرى ، لم يقف إبداع عبد الله عند ذلك بل سعى ومنذ بداية حياته إلى استكشاف إمكانيات الخامات وليس اللون وتأثيراته والذي أثبت مهارة غير عادية في استعمالها فقط لكن براعته في ابتكار واستنباط الملامس كانت فائقة فتلاحظ تلك التشققات التي تذكرك بطمي النيل في أوقات الجفاف أو بشقوق على الحوائط المصنوعة من طين الأرض والمطلية بطبقات من الجير غير المتساوي المحبب التي كان يصنعها بالعجائن والورق المكرمش أو القطران المغطى بورق فضة ومحمي بلهب اللحام ربما ليعطي إحساساً بصرياً رآه لحرق الحديد بآلة اللحام في المدرسة كما كان يستعمل بالإضافة للمعاجين البوليستر والجبس والأسمنت والجير والخيش وكل يتاح له ليصل للملمس البصري الذي يريده ويضفي قوة ورونق على الخطوط والألوان فوقه ،خلق عبد الله حائطه الخاص الذي يرسم عليه ما يراه تعبير فردي ترتبط جذوره بروح الشعب ووضع عليه رسومه وزخارفه وأيضاً نصوصه ففلسفة حامد عبد الله في الكلمة بسيطة ومستمدة من الديانات تقول زوجته أنه كان دائمأما يردد أجزاء من الكتب المقدسة في الميثولوجيا المصرية "ولد تحوت الذي خلق العالم من الكلمة" ،في الإنجيل "في البدأ كانت الكلمة" ،في القرآن الكريم "الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنه يقول له كن فيكون" ،على مر تاريخ الإنسان كانت الكلمة مقدسة الكلمة شفرة الخلق علامة البداية مفتاح الحياة الأرض كلمة والإنسان كلمة للكلمة روح وحياة وخلود فهي حاملة إرث الوطن والبشر ،كلمات حامد عبد الله ليست مجرد حروف مخطوطه على سطح لوحة بل هي نصوص متكاملة تحمل في جانب منها شكل تصويري خطي يتضمن قدراً عالياً من الصرحية النحتية وتتداخل الألوان وأحياناً البريق المعدني مع الخامات الغير مألوفة في أحيان كثير لتعضيد هذه الصرحية لكن هذه الصرحية لكن هذه الكلمة في جانب آخر منها لها بعد جسدي بكل خطوط وتقاسيم الجسد وهي ككل متكامل تنتمي لعالم روحي تذوب فيه حدود الجسد مع حدود الحرف ليشكلا سوياً ملتحمين معنى العمل الفني في ذهن المتلقي خالقاً حالة مزج خلاق وديناميكي بين المعنى اللفظي والتجسيد التشكيلي مثل مجموعة لوحات المحبة ولوحات الأحرف القاف والهمزة والكاف والعشاق في هذا العالم الروحي مطلوب من التلقي أن يرى ما خلف الحرف وما خلف الجسد أن يرى الذرات التي يتكون كلاهما منها ويشعر بها في إطار الوجود الكلي .
أراد عبد الله أن يحاكي المصري القديم عندما جعل من الصورة إشارة وكانت هذه الإشارة حرفاً أراد أن يجعل من الحرف العربي مرآة لما يعبر عنه أن يجعله إنعكاس للمعنى المقصود في ذهن المتلقي أو القارئ يبدو هذا جلياً في مجموعات طلسم "استسلام- مقاومة- ثورة – عبودية- الشريدة- الحرية- أمل- القذارة- المرض-......إلخ" ،ظل حامد عبد الله يرسم كلمات تشكل معان خاص في وجدانه ووجدان ناسه ،عاصر هزيمة 1967م وواكبها بأعماله ووفاة عبد الناصر ونصر 1973م ومعاهدة كامب ديفيد والتي رآها عاراً وانهزاماً واستسلاماً ثم الإنفتاح الذي رآه انفشاخ واستمر وفياً لفكرة رسام البلد المعبر عن أحلامه وآماله وأفراحه وأحزانه كما ظل يعلم ويتعلم ويبهر العالم بصوره وأشكاله الهندسية ونصوصه المكتوبه وميراثه العميق وضفيرته المعرفية الفنية والفلسفية وروح المصري الأصيل الوفي لوطنه وعروبته وميراثه الحضاري يخلخل الثوابت ويدهش الأعين حتى وفاته في 31 ديسمبر1985م بباريس لتحتضنه بعدها أرض مصر محبوبته في آخر طقوس العشق عندما يضمه صدر الحبيبة ليلتحم بذرات ثراها ويفنى العاشق في المعشوق ويعود رسام البلد الذي لم يكن أبداً مجهولاً إلى أرضه وأصله بعد أن علم العالم الكثير, وفي هذا العام2016م في الذكرى الثلاثين لوفاته تستضيف قاعة أفق بمتحف محمود خليل وحرمه معرضاً استيعادياً للفنان بالتعاون مع جاليري كريم فرنسيس لتثري عشاقه وتعرف الأجيال الجديدة من الفنانين على مدرسة من الفن المصري الأصيل.












السبت، 13 فبراير 2016

"رسائل غاندي وتولستوي ..حلم بالعدل والمساواة" مقال شذى يحي مجلة الهلال عدد فبراير

 


بدأ تاريخ البشر عندما وضع آدم قدميه فوق تراب الأرض مطروداً من الجنة ومنذ تلك اللحظة وحتى يومنا هذا ظل تاريخ الإنسانية قصة ملحمية طويلة كتبت فصولها بمداد من الدم والنار والغضب والطمع وحفلت بالمعارك والحروب والغزوات ولم يعترف البشر يوماً أنهم يقتلون بعضهم طمعاً ورغبة في السيطرة والتفوق على بشر آخرين بل كان شعارهم  حتى ساعتنا هذه هداية الآخرين لأفضل الطرق إلى الله أي طريقتهم هم التي دوماً ماتكون حكراً عليهم  أو إخراجهم من ظلمات التخلف والهمجية إلى نور الحضارة والمدنية والذي غالباً ما ربطوه أيضاً بالطريق الأمثل للوصول إلى الخالق دائماً مابرر الغزاة والإرهابيين والمستعمرين عدوانهم بأنهم يريدون هداية الآخر وإصلاح العالم ودائماً مايكون رد المعتدى عليهم أيضاً بالحروب والدمار درءاً للعدوان ودفاعاً عن الحق المسلوب.
ومع كل هذا الجنون ودورات الأنانية والطمع كان في فصول هذه القصة مكان لأناس نبلاء آمنوا بالتعايش بين البشر وبأن السلام هو طريق الحياة وطريق الهداية والحب والحوار هما القدر الحقيقي للإنسان وأن أفضل الطرق لمقاومة العنف ليس العنف المضاد بل المقاومة السلمية فإن كان المستضعف لا يملك قوة السلاح فهو يملك قوة الحق والتي هي أقوى من أية قوة فالفكرة هي التي تحرك السلاح وفكرة الحق هي الأقوى ،إثنان من أعظم رجالات الفكر والسياسة في القرنين التاسع عشر والعشرين آمنوا بهذه الفكرة جرت بينهما مكاتبات عديدة للحديث عنها الأول هو الكونت ليو تولستوي (1828م -1910م) أحد أعمدة الفكر والأدب في العصر الحديث والثاني هو المهاتما غاندي (1869م -1948م) أبو الهند الحديث وواحد من أهم المناضلين السياسيين في القرن العشرين والذي كان يعيش في جنوب أفريقيا في الفترة التي تمت فيها المخاطبات وتواكبت هذه الفترة أيضاً مع الأيام الأخيرة من حياة تولستوي ،والرسائل جمعها وحققها شرينفاسا مورثي أستاذ الفلسفة في جامعة كاليفورنيا طبعت في كتاب في العام1987م تحت عنوان "رسائل المهاتما غاندي وليو تولستوي" صدر عن دار لونج بيتش للنشر بأمريكا بالتنسيق مع صندوق نافاجيفان بأحمد أباد في الهند وهو صاحب حق نشر الرسائل الأصلي وتضمن الكتاب المطبوع في ثلاث وثمانين صفحة من القطع المتوسط ،مقدمة كتبتها فيرجينيا هات رينجر أستاذ الفلسفة في جامعة كاليفورنيا تتضمن ملخص عن حياة غاندي في فترة كتابة الرسائل أثناء تواجده بجنوب أفريقيا ،والخطابات المتبادلة ،وخطاب تولستوي الأشهر "رسالة إلى هندوسي" والذي كان سبب بداية المراسلات بين العملاقين ثم رؤية غاندي لمشروعه الذي أسماه "مزرعة تولستوي" وهي مكان أسسه غاندي ليكون بمثابة بيئة للممارسة العملية لتعاليم وفلسفة تولستوي على مساحة 12ألف هكتار كمجتمع مكتفي ذاتياً يتم فيه ممارسة فلسفة اللاعنف أو الساتيا جراهي يكرس الذين يعيشون فيه أجسادهم للعمل اليدوي وأرواحهم وعقولهم للحقيقة المطلقة وللفضيلة والطهر على أن يمارس أعضاء هذا المجتمع شعائرهم الدينية المختلفة كما يحبون وفي حرية تامة وقد استخدم غاندي ما تعلمه من هذه التجربة وخلاصة تجاربه فيها ليكون حجر أساس لفلسفته وتعاليمه التي أرساها بعد عودته إلى الهند بدءً من 1919م.
وقد شرح الأستاذ مورثي أهمية كتابه في مقدمته فكتب يقول "هناك دائماً هالة من الغموض تحيط بالكتب التي تضم خطابات فلطالما كانت المراسلات بين العقول العظيمة علامات فارقة على طريق التقدم وتاريخ الفكر، والخطابات المتبادلة بين الكونت ليو تولستوي والسيد موهان داس كارمشاند غاندي ليست استثناء فقد عكست هذه الخطابات إحترام كل منهما للآخر وتأثره بفلسفته في الحياة وتأثر غاندي الكبير بفكر تولستوي ،ففي عام1908م وهو تاريخ بداية التواصل بينهما حيث كان غاندي واحد من أهم رموز المقاومة السلبية في جنوب أفريقيا بالفعل ،وفي هذا العام نفسه كان تولستوي قد كتب مقاله الشهير "خطاب إلى هندوسي" رداً على رجل يدعى س.أر.داس أحد ممثلي الثورة الهندية في أوروبا والذي كان قد تحدى تولستوي وسخر من فلسفته في عدم مقاومة المعتدين وكانت بداية خطاب تولستوي جملة من كتاب الفيدا المقدس تنص على "أن كل ما هو موجود هو واحد ولكن البشر هم من يطلقون عليه مسميات مختلفة" مصحوبة بتفسير لفيفيك أناند يقول فيه "إن هذا يعني أن الله هو الواحد الكلي وأننا عظة أجزاء" وبهذا رأى تولستوي أن أناند نفى كل خلاف في الجوهر بين الديانات ،قرأ غاندي الخطاب  وطلب من تولستوي الإذن بإعادة نشره في جنوب إفريقيا بعد أن ترجم إلى الإنجليزية وقد نشره غاندي بالفعل وكتب مقدمة له بعد موافقة تولستوي الذي أصر على أن يترجم أيضاً للهندية ،إذن هكذا بدأت سلسلة من الخطابات المتبادلة بين العملاقين وفي رأي مورثي أن الأهمية الحقيقية لهذه الخطابات كانت في وضع الكاتبين يديهما على ذلك الخيط الرفيع الذي يجمع القيم المشتركة بين الفكر في الشرق والغرب وكشفهما عن فهم عميق لأساس وجوهر الأصل الواحد الذي قامت عليه كل الديانات على اختلافها في المنهج المتبع للوصول إليه.
في الفصل الأول من الكتاب يعود بنا مورثي إلى بدايات غاندي في جنوب أفريقيا وهي الفترة التي يرى أنها المرحلة الحقيقية لتكوينه وتبلور أفكاره ومع ذلك لم تأخذ حقها الكامل من الدراسة في نظره ففي بداية حياته وبعد أن أنهى دراسته للحقوق في بريطانيا العام1891م عاد إلى الهند ليبدأ عملاً في المحاماه سرعان مافشل فيه ونظراً لظروفه الإقتصادية الصعبة قبل عملاً في مكتب محاماه في جنوب أفريقيا وسافر إلى هناك وفي نيته البقاء لعام أو عامين على الأكثر حتى تتحسن الأحوال ،ولم يكن غاندي يعرف معنى أن تكون هندياً هندوسياً  في تلك البلاد ولذلك وجد ابن البراهمان "أعلى طبقات البشر عند الهندوس" المغرم بالحلل الثمينة نفسه يعامل معاملة أقل من المنبوذين في بلاده وينعت بأنه مليء بالقمل وجالب للذباب وقذر بل تعرض للضرب والحبس والإهانة أكثر من مرة وخصوصاً في القطارات ووسائل المواصلات فلم يشفع له علمه ولا ثيابه الثمينة ولا تقدير قومه له أمام مجموعة من الجهلة البربر المتوحشين المتعالين ببشرتهم البيضاء ودينهم الذي يرونه الحق ،يقول القس دوك أول مؤرخ لحياة غاندي في جنوب أفريقيا أنه في اليوم الأول الذي وصل فيه غاندي لجنوب أفريفيا قال "اقد ارتكبت غلطة فادحةبالقدوم إلى هنا لقد خدعت هذه البلاد لا ترحب بالهنود" إضافه لهذا فإن عمله كمحام أتاح له أن يعاين قوانين إقليم ترانسفال الذي عاش فيه العنصرية عن كثب وأن يعاين كيف تطبق لقد كان ممنوعاً حتى على الهنود أن يتجولوا بعد التاسعة مساءً إلا إذا كان يقوم بعمل لدى رجل أبيض هو نفسه تعرض للركل والضرب من قبل شرطي أبيض لسيره في الشارع بعد التاسعة ،كل هذا الظلم دفع غاندي لأن يفكر في طريقة لدفع هذا الظلم وإلغاء فكرة العودة إلى الهند تماماً وتحولت مدة السنتين اللتان أراد أن يقيم فيهما في جنوب أفريقيا إلى أن تتحسن أحواله الاقتصادية لاثنين وعشرين عاماً من الكفاح السلمي ضد الظلم والعنصرية وتبلورت لديه فكرة الكفاح السلبي في ليلة الإعتداء عليه في قطار ديربان وهو يقرأ كتاب راسكين "الرجل الأخير" ذلك الكتاب الذي أنهى غاندي قراءته في نفس الليلة رغم كل ما حدث فيها ،ولم تكن صدفة أن كان نفس الكتاب له أثر كبير على أفكار الكونت تولستوي عن المقاومة ضد الظلم الاقتصادي ان مصدر الظلم الأساس في العالم هو عدم العدالة في توزيع الثروة والقوة ،لقد تشارك كلا الرجلين غاندي المحامي الشاب  في ذلك الوقت وتولستوي الكاتب الشيخ المختلفين تماماً في العمر والثقافة والديانة واللغة وتفصلهما آلاف الأميال فكرة واحدة هي البحث عن الحقيقة ،تلك الفكرة استحوذت على معظم عمر تولستوي وعلى كل كفاح غاندي ،وقد كتب القس دوك عن أثر تولستوي على غاندي في رحلة كفاحه للبحث عن الحقيقة فائلاً "بلا أدنى شك أن تولستوي أثر فيه بشدة فالإصلاحي الروسي العجوز صاحب الحياة البسيطة والجرأة في المواقف والتعاليم الداعية للعمل ونبذ الحرب وجدت صدى قوياً في قلب السيد غاندي" ،كتاب تولستوي "مملكة الله في داخلك" كان ملهماً له هذا الكتاب وكتاب رسكين كانا القاعدة الأساسية للمباديء الغاندية عن الحقيقة والحب واللاعنف واللااستحواذ ،هذه المباديء والأفكار التي اتخذت طابعاً غربياً عند تولستوي وراسكين وأعطاها غاندي بعد انسانياً شرقياً مستمد من الهندوسية والفلسفة الهندية فقد جمع بين الرجلين غاندي وتولستوي نفس أسلوب التفكير والنظرة للحياة واستلهامهما للأنبياء ومفكري الديانات الوضعية فتعاليم السيد المسيح وسيدنا محمد وبوذا وكونفوشيوس وزرادشت كلها لها قاعدة واحدة من وجهة نظرهم هي الدعوة للحقيقة وقد صاغ تواستوي نظرته هذه بقوله "إن بطلة كتاباتي هي (هي) تلك التي أحبها بكل قوى وجودي تلك التي كانت وسوف تظل تجسيد للجمال الحقيقي"،وهو نفس ما ذكره غاندي في قوله "أنا لا أكرس لشيء إلا للحقيقة هي فقط التي أخضع لتعاليمها" وكذلك قوله "أنا اؤ      من بأن الحقيقة الأساسية لكل الأديان هي واحدة أننا جميعاً يجب أن نكون عوناً لبعضنا البعض" ،ويقول تولستوي "أنا مؤمن أن الأديان تتشارك في جوهرها الأساسي رغم اختلافها في الشكلوهذا هو الجوهر الحقيقي للدين ،هو أن نتقبل الآخر وهذه هي الطريقة الوحيدة للخلاص".
الإثنان تلخصت دعوتهم في الأخوة الإنسانية ووحدة الوجود في الحب الكوني فجوهر الدين والعالم والإنسان لديهما هو الحب أو كما يقول تولستوي "الذي يحيا بالحب يحيا في الله ويحيا فيه الله لأن الله هو الحب" ،ومن هذا المنطلق نشأت دعوة اللاعنف فغاندي رأى الحب يتبلور في اللاعنف أو ما يسميه الأهيمسا Ahimsa ،والأهيمسا لما معنيين أحدهما سلبي والاخر إيجابي السلبي أن لاتؤذي أي كائن والإيجابي أن تتحمل الإيذاء وتحب من يؤذيك وأن لا تخاف من أذاه وان تفكر بحرية ولا تخاف من التعبير عن فكرتك فالحقيقة يجب أن يصرح بها وأيضاً الحب يتبلور في عدم الامتلاك ،هو ما رآه تولستوي في ما أسماه العمل من أجل الخبز وهو أن يتساوى الناس في الثروة ومارآه غاندي الهندوسي أن تحب الحياة لدرجة أن لا تأخذ منها أكثر مما يجعلك تعيش أو ما أسماه "ساتيا جراها Satya graha" أي قوة الروح – قوة الحقيقة جمع غاندي كل هذه الأفكار التي توصل إليها من خلال قراءته لتولستوي وأنشأ في العام 1906م أي قبل ثلاثة أعوام من مراسلته للرجل مزرعة أسماها مزرعة تولستوي بالقرب من جوهانسبرج جمع فيها أطفال ونساء ورجال من مختلف الأعمار والأجناس والأعراق ليطبف هذه الأفكار عملياً ويعيش كل من فيها طبقاً لمبادئ الساتيا جراها ،هذه المزرعة كانت النواة الأولى التي أسست للسباراماتي آشرام Sabaramati Ashram مجتمع غاندي المماثل الذي أسسه بالقرب من أحمد أباد بعد عودته للهند وتلك الطاقه الروحية والقوة التي استمدها غاندي من نجاح مزرعة تولستوي هي التي ستمنحه بعد ذلك القوة ليواصل كفاحه من أجل الحق والحرية لأعوام كثيرة تاليه ،وقد تبدو أفكار تولستوي وغاندي هنا قريبة جداً من أفكار ماركس ولينين ولكن غاندي وتولستوي لم يؤمنا يوماً بضرورة اصراع بل على العكس فقد أرادا أن يوقفاه بالحب على عكس ماركس ولينين اللذين أرادا تحقيق المجتمع المثالي بالقوة والصراع ،رأى غاندي وتولستوي أن الحل في الوصول لجوهر الدين أما ماركس ولينين فرأوه في تدمير الدين ولذلك أدان غاندي الثورة الروسية ،ثم يستعرض مورثي بعد ذلك نصوص الرسائل المتبادلة بين غاندي وتولستوي والتي بدأت برساله من غاندي في أول أكتوبر1909م  يستأذن فيها في نشر مقاله خطاب لهندوسي في جنوب أفريقيا وذيلها بتوقيع خادمكم المطيع م.ك.غاندي وراجعه تولستوي في مفهومه عن التناسخ واستوضح نقاطاً تخص فلسفة اللاعنف شارحاً منجزه بهذا الصدد في جنوب افريقيا واستعرض الوضع معه ورد تولستوي عليه شاكراً ومجيباً لطلبه كما طلب مزيد من التواصل والتعارف رغم أنه كان في حالة صحية سيئة وقد أرسل له غاندي خطاب مرفق بسيرته الذاتيه التي كانت قد طبعت مطلعاً اياه على تطورات الصراع السلمي الهندي في الترانسفال ثم بعدها أرسل غاندي كتابه الأول لتولستوي من بريطانيا بالانجليزية بعد منع نشره في الهند باللغة الجوجراتية لغة غتندي الأصلية طالباً رأيه وتعقيبه وليخبره بأن رسالته خطاب إلى هندوسي قد ترجمت للغة الهندية ، وفي الثامن من يوليو وقبل وفاة تولستوي  بفترة قصيرة جداً أرسل تولستوي لغاندي رسالة مخاطباً إياه بأخي وصديقي ليخبره بأنه قرأ كتابه وبأن الأسئلة المطروحة فيه لا تهم الهنود فقط بل تهم الإنسانية جمعاء وأن لديه الكثير من الأسئلة والاستفسارات له ولكنه يخشى أنه قد وصل إلى حالة صحية لن تمكنه من أن يرسلها إليه ،فأرسل غاندي إليه شاكراً وشارحاً له فكرة مزرعة تولستوي التي كان قد مر على إنشاءها ثلاثة أعوام لذلك أرسل له أعداد من جريدته الرأي الهندي Indian Opinion التي أجرت تحقيقاً كبيراً عن المزرعة وأنشطتها وأرسل له تولستوي في سبتمبر رسالة أخيرة معبراً عن تقديره وعرفانه وسعادته بهذا التطبيق العملي لفلسفة الحب الذي هو على حد قوله الملهم للوحدة مع بقية الأرواح في الكون والمحرر للأنشطة النبيلة وهو روح الوجود وأصله التي تقف تقف ضد كل المظاهر الفارغة المعنى للثروة والمادية والسلطة ويستعمل البشر القوة للحفاظ عليها، الفحب هو قانون الحياة وأصل الكينونة واستطرد تولستوي في رسالته شارحاً قوانين الحب في الأديان ورؤية السيد المسيح للحب التي شوهتها الحضارة الغربية التي تدعي أنها حضارة مسيحية لكنها في الحقيقة تتمسح بالمسيح للحفاظ على مصالحها وذيل رسالته هذه بكامل إحترامي وتقديري لشخصكم ،وبعد وفاة تولستوي في 26نوفمبر1910م كتبت صحيفة الرأي الهندي أن تعاليم ستظل خالدة عبر تلامذته وأتباعه وبلا شك فإن رسالته الأخيرة للسيد غاندي شكلت دعماً كبيراً للاتجاه الهندي في مقاومة اللاعنف وسيكون لها كبير الأثر على الأمة ،وهو ما حدث بالفعل فغاندي وتولستوي أثبتا للعالم أن البحث عن الحقيقة ونبذ العنف وبالحب من الممكن أن يتجاوزا كل العقبات والمستحيلات الثقافية والسياسية ويفتحوا الطريق لتطهير الروح ولمنابع جديدة للرؤية ولحلول خلاقة لأعقد المشكلات.  



صورة لأحد خطابات غاندي الموجهة لتولستوي بتاريخ الرابع من أبريل 1910م

غلاف كتاب شرينفاسا مورثي "رسائل المهاتما غاندي وليو تولستوي" - صدر عن دار لونج بيتش للنشر بأمريكا بالتنسيق مع صندوق نافاجيفان بأحمد أباد في الهند 1987م
 
صورة لأحد خطابات تولستوي لغاندي بتاريخ  الثامن من مايو1910م

صورة ألتقطت في جنوب إفريقيا يظهر فيها غاندي شاباً  وصديقه دكتور هيرمن كالينبخ أمام المخيم الذي كان النواة الأولى لإنشاء مشروع مزرعة تولستوي

صورة لغاندي في شبابه أثناء تواجده بجنوب أفريقيا

صورة ألتقطت في جنوب إفريقيا أمام مزرعة تولستوي عام  1910م - يظهر فيها غاندي شاباً وصديقه دكتور هيرمن كالينبخ وأهالي المزرعة المؤسسين

أحد خطابات غاندي لتولستوي إلى جوار صورة لغاندي وأخرى لتولستوي

صورة ألتقطت في جنوب إفريقيا بمزرعة تولستوي عام 1913م - يظهر فيها غاندي شاباً وصديقه دكتور هيرمن كالينبخ وسكرتيره أعمال المزرعة

صورة ألتقطت في جنوب إفريقيا يظهر فيها غاندي شاباً  وصديقه دكتور هيرمن كالينبخ أمام المخيم الذي كان النواة الأولى لإنشاء مشروع مزرعة تولستوي

صورة من إحتفالية 100عام على تأسيس مزرعة تولستوي اعلى الصورة غاندي ومؤسسي المزرعة مايو1910م وأسفلها الأعضاء الحاليين للمزرعة صورة التقطت مايو2010م