الجمعة، 27 مايو 2016

توماس كوك للرحلات ... إمبريالية على ضفاف النيل - مجلة الهلال عدد أبريل 2016



"مصر الآن محتلة من قبل جيشين الجيش الأول هو عساكر الجيش البريطاني والثاني هم رجال توماس كوك وولده" للوهلة الأولى تبدو هذه الكلمات التي كتبها السير جورج نيونز في العام 18899م واصفاً الدور والنفوذ السياسي لشركة توماس كوك للرحلات في مصر متضمنة قدراً كبيراً من المبالغة لكنها الحقيقة التي ربما لم تراود توماس كوك نفسه، فالواعظ المعمداني السابق الذي كان قد ترك الوعظ واحترف صناعة الخزائن الخشبية في منطقة ليشستر واشتهر بإيمانه الكبير بعظمة الإختراعات العلمية وكرهه للخمور والكحوليات لم يحلم يوماً بحقيقة أنه سوف يصبح واحداً من أهم أعمدة الإمبريالية الثقافية في القرن الثامن عشر وأن الشركة التي سوف يؤسسها ستغير مصائر شعوب وتتحكم في مقدرات دول على الرغم من أن بدايات عمله المتواضعة  لم تكن تبشر بذلك كله ، كانت البداية في 5يوليو 1841م حين بدأت شركة توماس كوك رحلاتها برحلة غير هادفة للربح بالقطار من ليشستر إلى لافبروج نقل فيها كوك البالغ من العمر اثنين وثلاثين عاماً مجموعة من المتعافين من إدمان الكحول لحضور تجمع احتفالي  وتمت هذه الرحلة في القطار البخاري الذي كان اختراعاً ضخماً في تلك الفترة ولثلاثة أعوام تلت هذا التاريخ نظم كوك رحلات من ليشستر إلى نوتنجهام وبرمنجهام وليفربول وعن طريقه استطاع الآلاف تجربة وسيلة المواصلات الجديدة واقتنعوا بها ،ظلت رحلاته الأولى مجرد خدمات اجتماعية غير هادفة للربح  لجمعيات الإدمان وأعضاء مدارس الأحد حتى العام 1845م عندما نظم أولى رحلاته إلى ليفربول وتضمنت هذه الرحلة تذاكر مخفضة للركاب وكتيب من ستين صفحة يتضمن تفاصيل الرحلة وارشادات السفر وكان هذا الفكر سابقاً لعصره في تلك الفترة وبحلول العام1850م استطاع كوك تنظيم رحلات إلى أغلب مدن أوروبا والولايات المتحدة وأيضاً للأراضي المقدسة في فلسطين وشهد هذا العام أول تعاون على مستوى عالي مع المسؤولين البريطانيين عندما نظم رحلات نقل للمواطنين من كافة أنحاء انجلترا للمعرض العالمي الأول في التاريخ الذي أقيم بكريستال بالاس لينقل أكثر من مئة وخمسين ألف فرد إلى المعرض كما أصدر جريدة غطت نشاطه وكانت بمثابة دعاية للمعرض، استمرت نجاحات شركة كوك بعد هذا التاريخ وأصبح كوك معنياً بتقديم خدماته للطبقة المتوسطة العليا المهتمة بالسفر الفاخر بقطارات الدرجة الأولى حتى 1869م وهو العام نفسه الذي بدأت فيه علاقته بمصر وبالرحلات النيلية على متن السفن البخارية ،عندما بدأ كوك نشاطه في مصر لم تكن الرحلات النيلية أمراً مجهولاً لدى الأوروبيين بل على العكس كان السفر إلى مصر ومشاهدة معالمها من السفن في عرض النيل صرعة كبيرة الرواج في تلك الفترة ومنذ نهاية الحملة الفرنسية خاصة بين رجال وسيدات الطبقة المتوسطة العليا والطبقات الراقية وكانت الرحلة الواحدة تستمر لحوالي ثلاثة أشهر في سفن شراعية مسطحة تسمى الذهبيات كانت تحمل السائحين الأجانب في رحلة شاقة عبر النيل من القاهرة حتى أسوان لمشاهدة معالم الحضارة العريقة على ضفتي النهر بحثاً عن آثار العهد القديم ورحلة العائلة المقدسة أو بحثاً عن المغامرة والمتعة وأحياناً كحالة الرحالة أماليا إدواردز وغيرها من بعثات لاستكشاف آثار ومقابر ومعابد جديدة فقد كان التنقيب على الآثار قد أصبح هواية لنبلاء أوروبا في تلك الفترة وكان المسافرين يدونون مذكراتهم ومشاهداتهم المصحوبه باسكتشات بدائية للآثار والسكان المحليين ويرسلونها لأقاربهم بالإضافة للأثر الروحاني للرحلة عليهم وقد قام بعضهم بنشر هذه الرسائل في كتب لتقوم مقام الدليل للمسافرين الآتين بعدهم وكانت الدهبيات وكافة وسائل الإعاشة والإمدادات ملك شخصي لحاكم مصر واحتكاراً خالصاً له إذاً فقد كانت الرحلات النيلية رائجة قبل كوك وكذلك كانت سياحة الأفواج قد بدأت في مصر وفلسطين على يد منظم رحلات يدعى هنري جايز ولكن على نطاق ضيق جداً سبق ذلك ظهور كتب إرشادية عن الرحلات النيلية في العام 1843م والعام1847م كدليل موري للمسافرين إلى مصر والذي أعده جون جاردنر ويلكينسون لكنها أيضاً لم تلقى رواجاً كبيراً واستمر المسافرين للأراضي المقدسة يعتمدون في معلوماتهم على الكتاب المقدس وكتاب ألف ليلة وليلة وخطابات من سبقوهم لكن توماس كوك نجح في تغيير كل ما سبق فكيف فعل ذلك؟؟
في البداية وفي العام 1868م سافر كوك في رحلة لاستكشاف الإمكانات الإقتصادية والخدمية للمنطقة واشتملت رحلته على مدن القسطنطينية بيروت يافا فالإسكندرية ثم القاهرة ليتفقد وسائل المواصلات والفنادق ودرجة الأمان وأيضاً التكاليف والأرباح المتوقعة للرحلات بعدها قام بعمل حملة دعائية كبيرة عبر أوروبا للترويج للرحلة وبدأ في قبول مقدمات حجز للرحلة ليبدأ بهذا الخطوة الأولى لهيمنته على سوق الرحلات النيلية هذه الهيمنة التي استمرت لثلاثة أرباع القرن ،وفعلاً قام كوك بالرحلة مع مجموعة من 30مسافراً من الرجال والنساء وقام برحلته النيلية على متن سفينتين بخاريتين هما بنها وبني سويف إستأجرهما من شركة العزيزية المملوكة للخديوي إسماعيل كلاهما صنعتا في بريطانيا وكانتا تستخدمان لنقل الركاب مرة شهرية من الأقصر إلى القاهرة والعكس في الفترة من فبراير لنوفمبر من كل عام ولكن لم يتم استعمالهما للأفواج السياحية قبل تأجير كوك لهما وكللت الرحلة التي قادها كوك بنفسه بنجاح غير عادي أشعل رغبة كوك في أن يسيطر على سوق السياحة النيلية بأكملها ودفعه لأن يتخذ خطوة أكثر جرأة بعدها بستة أشهر ففي صيف 1869م أعلن مكتب كوك في لندن عن نيته لتنظيم رحلة لحضور مراسم افتتاح قناة السويس في نوفمبر وفي هذه المرة لم يستطع كوك أن يتفق مع أية شركة عبر المتوسط ولكنه في النهاية استطاع أن يحجز أماكن على السفينة البخارية "أمريكا" والتي كانت جزأ من الأسطول الذي سوف يبحر في القناة يوم الإفتتاح وحضر كوك الإحتفالات القناة وسجل في ملاحظاته "أنها ربما تكون العلامة الفارقة الأبرز في تاريخ عمله بالسياحة" ،وبعد إنشاء القناة ازدهر عمل كوك السياحي بالفعل حتى أنه بعد هذا التاريخ بأقل من ثلاث أعوام قام بأول رحلة لشركته حول العالم عبر سكة حديد أمريكا من الشرق إلى الغرب ثم اليابان فالصين فسريلانكا والهند عائداً إلى مصر عبر القناة في طريقه إلى أوروبا ليستعرض المسافر أغلب منجزات عصر الثورة الصناعية بالمحرك البخاري فكان إعلان كوك عن هذه الرحلة حتى قبل القيام بها ملهماً لجول فيرن ليكتب روايته الشهيرة " حول العالم في ثمانين يوماً " والتي نشرت في العام1872م أيضاً ، كذلك ازدهر العمل في مصر والتي حرص كوك الإبن هذه المرة بحلول عام1871م على أن تكون شركة كوك الناقل النيلي الوحيد فيها باستعمال سفن البخار بالإتفاق مع الخديوي إسماعيل وأصبحت رحلات كوك النيلية ذات شعبية هائلة حتى أن أي مسافرأمريكي إلى أوروبا لم يعد يجرئ على العودةإلى بلاده ومواجهة أصدقائه قبل أن يذهب لمصر ويقوم برحلة على النيل على حد ما كتب روبرت إتيزنبرجر في العام1872م وواكب هذه السيطرة إصدار شركة كوك سلسلة كتب مصورة للمسافرين بدءاً من العام1875م-1876م بعنوان " على النيل بالبخار " حفل الكتيب بالصور الفوتوغرافية التي صورت أشكال الحياة على ضفتي النهر من منطلق ثقافة العالم في المعارض التي كانت رائجة في تلك الفترة كما أظهر سحر وفخامة الإقامة على السفن النيلية ،فأصبحت الرحلات النيلية مرتبطة في أذهان الأوروبيين بشهر العسل الذي قضاه أنطونيو مع كليوبترا أو بالبحث عن الشباب والجو الصحي الجاف البعيد عن برد أوروبا وبالإجازات السعيدة والأنشطة الترفيهية حيث قام كوك بتأجير بعض الدهبيات كأماكن للحفلات وكصالات للرقص وكأنها رحلة في الماضي أما الإقامة على السفن البخارية فهي إقامة في المستقبل ،ومع تعاظم نفوذ شركة توماس كوك الإقتصادي وارتباطها بعلاقات خاصة مع الخديوي والعائلة الحاكمة أصبح هناك الآلاف من المواطنين المصريين يعملون مع الشركة بشكل مباشر وغير مباشر وزاد من تعاظم هذا النفوذ حصول الشركة على حق الملاحة وراء الشلالين الأول والثاني وعبر وادي حلفا فأصبحت شركة كوك تؤمن الإعاشة للمزارعين وأصحاب الحرف ولمدن وقرى كاملة على ضفاف النهر وأيضاً لعدد كبير من الأفراد في بورسعيد والإسماعيلية والسويس خاصة بعد استئجارها  لسلاسل من الفنادق في هذه الأماكن وفي القاهرة أيضاً وحازت الشركة على ثقة الكثير من المصريين الذين وجدوا فيها شريكاً عادلاً على عكس الأسرة الحاكمة لذلك وعند قيام الثورة العرابية في العام1882م لميتم المساس بأي من أملاك شركة كوك في كل مدن مصر بل وأصبح لشركة كوك من النفوذ ما يجعلها تصدر بياناً أثناء الثورة نص على "إن الإنجليز ليس لديهم أية نية لحكم هذا البلد بل على العكس نحن نتمنى لكم كل ازدهار وأن تحظوا بحكم رشيد وإننا على استعداد تام في هذه الظروف لأن نمد من يحتاج منكم بمبالغ كبيرة من النقود الإنجليزية عبر وادي النيل كله" وهنا كشفت الشركة عن وجهها الاستعماري القبيح فقد أصدرت الشركة هذا الإعلان ومدافع ويلسلي تدك الإسكندرية ومراكبها تنقل الجرحى والمصابين الإنجليز للعلاج من الإسكندرية إلى لندن وقبلها بالقطارات من القاهرة ،ولم تكتفي الشركة بذلك بل أرست دهبية في المياه العذبة لترعة الإسماعيلية لتكون مقراً لقبادة الجيش البريطاني خلال المعارك ونظمت عدداً كبيراً من الرحلات النيلية المجانية للجنود البريطانيين بعد انتهاء القتال وأيضاً استضافت الكثير من أقطاب الصحافة البريطانية الذين غطوا المعارك مما دفع بالجيش البريطاني لتوجيه أقصى درجات الشكر والامتنان للشركة باسم ولي العهد على الترتيبات الرائعة التي قمتم بها وكانت ذات فائدة كبيرة في تحقيق النصر .
وبعد انتهاء ثورة عرابي بعام توثقت العلاقة بين الشركة والحكومة البريطانية أكثر بعد قيام ثورة المهدي في السودان فقد قامت الشركة بإخلاء المسؤولين البريطانيين وأسرهم من الخرطوم وتوفير السفن النيلية لنقل الجنود وإخلاء الجرحى والمصابين بل إن شركة كوك قد استجابت للحكومة البريطانية في العام1884م وأوقفت كل نشاطاتها في الرحلات لتكرس سفنها بالكامل لخدمة الجيش البريطاني واستمر الإيقاف حتى موسم 1886م وهكذا نقلت كوك 18ألف جندي وأربعين ألف طن من المعدات حتى وادي حلفا باستخدام أسطول الشركة المكون من سبعة وعشرين مركباً بخارياً وستمائة وخمسين مركباً شراعياً وبالاستعانة بخمسة آلاف موظف من موظفين الشركة وقد دمرت العديد من مراكب الشركة بشكل لا يمكن إصلاحه أثناء النقل ومع ذلك استمرت الشركة في مساعدة الإحتلال بكل شكل ممكن ولم يمنع هذا شركة كوك من التفكير في الأرباح فسافر كوك الإبن بذهبية سودانية مستأجرة إلى دنجلة بعد وادي حلفا لاستطلاع إمكانيات الإبحار هناك كذلك نظمت الشركة رحلة لآرثر كونان دويل مؤلف شيرلوك هولمز لوادي حلفا في العام1896م رغم أن أغلب السودان كان قد أصبح في أيدي المهديين في تلك الفترة وكتب دويل إحدى رواياته الشهيرة مستوحياً هذه الرحلة وكان عنوانها "مأساة كورسوكو" ،وبنهاية الحرب في السودان كان الأسطول المستأجر من الحكومة المصرية الذي تستعمله شركة كوك قد دمر تماماً وكانت الفرصة سانحة للشركة لكي تبني أسطولها الخاص بعد كل الخدمات التي قدمتها للإمبراطورية وهكذا قرر جون كوك ابن توماس أن يبني أسطوله الخاص والذي وصفه بأنه مجموعة من القصور العائمة وأنه سيكون أعظم من أي مركب سبح فوق مياه النهر العظيم منذ عصر كليوبترا وأصدر كوك كتيب رحلات جديد مصور فوتوغرافياً في العام1890م وقد اكتسحت شعبية هذا الكتاب الذي كان عنوانه نصائح للمسافرين في مصر أوروبا لدرجة أنه طبع إثنا عشر مرة في الفترة من تاريخ إصداره وحتى1912م وبنهاية القرن التاسع عشر كانت كتيبات كوك قد تضاعفت وتضاعف عدد المسافرين بعد الدعاية الكبيرة والسفن الأكثر فخامة والذهبيات المطورة وأصبحت رحلات الخريف إلى مصر للأغنياء والطبقة العليا ضرورة ثقافيه وإجتماعية لابد منها ودليل على العصرية والتحضر ،هكذا اكتظت فنادق القاهرة بسائحي شركة توماس كوك وولده وتوطدت علاقة جون كوك أكثر وأكثر مع الخديوي عباس حلمي مما دفع الأخير لمنح الشركة تسهيلات أكثر لكن الصداقة الأمتن جمعت بين كوك واللورد كرومر الحاكم الفعلي لمصر وبهذا سيطرت شركة كوك بالكامل على كل شيء في مصر وهذه الحقيقة أوردتها مجلة بلاك وودز الأمريكية بعددها الصادر في أغسطس1889م حيث كتب محررها بالحرف " ببساطة كوك تملك مصر " ،ولهذا وبالتأكيد لم يكن نيونز مخطئاً في تصريحه فبنهاية القرن التاسع عشر وبحلول بدايات القرن العشرين كان المبشر صانع الخزائن وولده لاعبين مهمين في لعبة السياسة الاستعمارية البريطانية في مصر بل وعنصرين مؤسسين في مشهد الإمبريالية الثقافية الأنجلو سكسونية على مستوى العالم ،فتوماس كوك ونظيرتها شركة الهند الشرقية البريطانية في شبه القارة الهندية وشركات ومؤسسات تجارية وسياسية وثقافية وترفيهية وسياحية تماثلهما مجرد واجهات للهيمنة والسيطرة على مقدرات الشعوب بدعوى جلب التقدم والإزدهار والحريات والشعارات الإنسانية هذه اللعبة لم تتغير منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى الآن وبعد مرور أكثر من عقد ونصف من القرن الواحد والعشرين اختلفت الأزمنة والوجوه والأسماء ولكن لم تختلف الأهداف فدائماً ما يكون الإستعمار الثقافي والهيمنة الاقتصادية أقوى وقعاً وأشد أثراً من مدافع الأساطيل وسيطرة الجيوش.




 












صورة لدهبية التقطها فراند ماسون 1860م – والدهبية هي مركب ذو غاطس ضحل و قاع مسطح  - كان يبنى  بأسلوب السفن التي استخدمها السلاطين المماليك في القرن ال13

غلاف أحد أعداد مجلة كوك هو عدد تذكاري بناسبة مرور 16 عام على إنشاء الشركة بتاريخ ديسمبر 1888م والتي أصدرها لأول مرة 1851م لتغطية المعرض العالمي الأول

غلاف الكتالوج الدعائي لأحد رحلات كوك حولة العالم والتي كان من أهم وأبرز معالمها  زيارة مصر والرحلة النيلية وزيارة معرض شيكاغو في أمريكا

صورة نادرة لمراكب بخارية على ضفاف النيل حوالي عام 1867م وهناك إحتمال كبير لأن تكون هذه المراكب هي التي إستأجرها كوك من شركة العزيزية
 
غلاف أحد أعداد مجلة كوك بتاريخ 27مايو1899م والتي أصدرها لأول مرة 1851م لتغطية المعرض العالمي الأول

صور نادرة من دفتر ذاكرة قناة السويس - مقالي بمجلة "المجلة" عدد أبريل 2016

أحد مواقع الحفر الجاف أثناء العمل في شق الممر المائي تصوير جاستين كوزويلسكي

وقف العملاق الأسمر سامقاً بكل فخر وجلال محدقاً بعينيه اللامعتين الآسرتين في عشرات الألوف من البشر الواقفين بإصرار دؤوب لم يوهن من قوته حرارة شهر يوليو القاتلة ، عيونهم معلقة بشفتيه وقلوبهم تغلي بحماسة كرامة يريدون الثأر لها وفجأة صاح الزعيم بصوت شجي صادحاً جملته الشهيرة التي مازال صداها يتردد في تاريخنا كأنشودة مجد تليد "قرار رئيس الجمهورية بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية
باسم الأمة ... باسم الأمة
رئيس الجمهورية
مادة واحد تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية....."
هذه الكلمات لم تكن مجرد رد على رفض تمويل السد العالي ولم تكن مجرد إعلان لاسترداد لأرض مصرية بل كانت كلمة الفصل والختام في واحدة من أهم المعارك التي دارت بين الإمبريالية والقومية وكانت كلمة الفصل التي أعلنت انتهاء عصر الاستعمار الأوروبي واسطورة الرجل الأبيض حامل مشعل المدنية للهمج المتخلفين هذه المعركة التي اسدل الستار عليها في 26يوليو1956م بدأت أول فصولها في 24أبريل1859م عندما اعلن الخديوي إسماعيل في ذلك الوقت بداية الحفر في قناة السويس وعلى الرغم من سقوط مئات الألوف من المصريين ضحايا للكوليرا والتيفود وسوء التغذية في السنوات الخمس الأولى من حفر القنال صورت عملية الحفر على أنها إنجاز أوروبي من الألف إلى الياء فخر للإمبراطوريات التي استطاعت بقوة العلم والتكنولوجيا وعظمة المخترعات والآلات التي صممت خصيصاً للعمل في هذا الإنجاز الذي وجد لتمخر بواخر وأساطيل الإمبراطوريات عباب المحيطات حاملة مشاعل المدنية وعائدة بكنوز المستضعفين تحت دعوى إخراجهم من دياجير الهمجية ولكي ترسخ هذه الأسطورة في الضمير الغربي كان لابد من استخدام سلاح الإستشراق وتقديم صورة للمنجز الغربي للجمهور عن طريق الكتابة وتنظيم الرحلات والسلاح الأهم في تلك الفترة وهو سلاح الصورة ،الصورة دائماً بألف كلمة ولذلك كانت الصورة هي السلاح الأهم لإثبات حجة التفوق الحضاري أو كما يقول مارتن هايدجر "الحدث الأساس للعصر الحديث هو فتح العالم بوصفه صورة" وهذا الكلام هو شرح لما قاله جيرار دي نيرفال عندما وصف آلة التصوير الفوتوغرافي بأنها "أداة الصبر إذ تدمر الأوهام وتضع قبالة كل شكل مرآة حقيقية"،ولكنها بالفعل ليست الحقيقة فالحقيقة هي أن مصوري الفوتوغرافيا يشكلون العالم من وجهة نظرهم وكما يريدونه هم ويستبعدون العناصر التي لا يرغبونها بشكل سلبي، ولذلك ومنذ فجر إختراع التصوير مولت الإمبراطوريات الإستعمارية البعثات التصويرية ومن قبلها بعثات الرسامين المستشرقين واهتمت بخلق صورة معينة عن الشرق وسعت لترسيخها في ذهن مواطنيها لإشعارهم بالتفوق وبالدور الحضاري الذي عليهم أن يلعبوه في الشرق ولأن مشروعاً استعمارياً بالدرجة الأولى ولأن شركة قناة السويس للملاحة البحرية كانت نموذجاً مماثلاً لشركة الهند الشرقية ولها نفس الأهداف فقد شجعت هذه الشركة المصورين الفوتوغرافين على توثيق إنجازها الذي اعتبر تتويجاً لعصر الحداثة والمخترعات العلمية فإختراع المحرك البخاري واسطورة شق الصحراء التي تحولت إلى حقيقة كانت إيذاناً بعصر جديد أصبحت فيه الطرق والمواصلات والاتصالات أكثر سهولة ويسر وقد استجاب المصورين لهذه الدعوة بسرعة بسبب دعم الحكومات والأرباح التجارية المتوقعة من تهافت الغربيين على شراء هذه الصور سواء لمشاهدة المنجز الجبار أو رؤية كيف تحولت ضفتي القناةإلى مدن على الطراز الأوروبي الحديث في قلب الشرق على الطريق الواصل بين ضفتي العالم وبين حضارة الفراعنة والأرض المقدسة الأماكن التي سعى وعاش فيها أنبياء العهدين القديم والجديد كذلك أرادت الشركة بهذه الصور والألبومات التي غزت أوروبا والعالم إثبات مدى أمان الممر الملاحي الجديد واتساعه وصلاحيته لمرور السفن الحديثة.
كان من أوائل المصورين الفوتوغرافين الذين ذهبوا إلى منطقة القنال واستقروا فيها وافتتحوا استوديو في بورسعيد الفرنسي هيبوليت أرنو Hippolyte Arnoux والذي لقب أيضاً بمصور الشركة العظمى ولم يذكر التاريخ الكثير عن الرجل حتى أن تارخي ميلاده ووفاته غير معلومين الثابت أنه بدأ عمله في مصر ككثيرين من أقرانه بالقاهرة في بدايات ستينيات القرن التاسع عشر وكان مصوراً للكروت السياحية والصور الاستشراقية التجارية بالإضافة إلى صور الاثار ورحلات الحج للأراضي المقدسة في فلسطين كما قام برحلات إلى السودان والصومال وأثيوبيا وألبومات هذه الرحلات تضمها المكتبة الوطنية الفرنسية الآن ،ولكن سرعان ما تحول اهتمام آرنو ربما بحكم أنه فرنسي وأن مشروع القناة كان مشروعاً فرنسياً إلى قناة السويس تحت شعار بدلاً من تصوير الماضي في الواديتصوير الحداثة في قناة السويس أو تصوير المستقبل كما أسماه وهكذا شد آرنو الرحال إلى بورسعيد حيث بدأ بتوثيق الحفر في برزخ السويس خطوة بخطوة في أحد عشر ألبوم هم الان من مقتنيات الأرشيف الوطني الفرنسي ، وكان آرنو قد افتتح استوديو في الميدان الرئيس ببورسعيد وأسماه استوديو القنال كما اشترى مركباً أسماه مصور القناة وضع فيه غرفة مظلمة للتحميض الفوري للصور الفوتوغرافية ،وآرنو نفسه هو صاحب ألبوم قناة السويس Album du Canal de Suez الذي طبع في بورسعيد ووزع في جناح قناة السويس بمعرض باريس1889م وتصدرته صورة فرديناند ديلسيبس وضم صوراً لتطور العمل في القناة منذ البدأ فيه وحتى انتهائه وحركة الملاحة والحياة في مدن القناة أيضاً وقد دخل آرنو في شراكة مع اثنين من المصورين هما الأخوين زنجاكي اليونانيين Adelphoi Zangaki جورجيوس(1845م- 1895م) وقنسطنطين(1845م- 1916م) الذين جاءا إلى مصر كمصورين تجاريين ووزع الأخوين جهودهما بين القاهرة حيث المناظر الإستشراقية والآثار وبين بورسعيد وضفاف القناة بمساعدة من أسموهم بالعربان ملتقطين الصور من البر بينما يلتقط شريكهم آرنو صورة من البحر وقد تضمن ألبومهم صور من مصر بعض من صورهم للقناة التي يوجد نسخ من أغلبها في المكتبة البريطانية.
جستين كوزلوسكي Justin Kozlowski ولا يعرف عنه أكثر من أنه كان لاجئاً بولندياً لفرنسا منذ عام 1830م وأن له ألبوم واحد بعنوان إنشاءات قناة السويس Construction of the Suez Canal ضمن فيه صور للإنشاءات والأبنية وأعمال ىالبناء في القناة منذ 1869م وكل ما يعرف عنه أنه هاجر إلى الولايات المتحدة في سبعينيات القرن.
فرانسيس فريث Francis Frith (1822م- 1898م) لم يكن فرانسيس فريث مقيماً في منطقة القناة ولا في مصر بل كان مصوراً إستشراقياً يجوب الشرق الأوسط وقام بعدة رحلات لتصوير مصر والأراضي المقدسة وكانت القناة إحدى محطاته في رحلته الثالثة 1860م وقد استخدم كمصور جوال تقنيات الكولودين على الزجاج وكان يقوم بالتحميض في خيمة صغيرة ومازالت شركة فريث وشركاة في لندن تبيع نسخ من صور فريث وقد أصبحت هذه الشركة التي أسسها عام1859م إحدى أهم أستوديوهات التصوير في العالم.
ويلهم همرشميدت Wilhem Hammerschmidt ولد شميدت في حدود1830م وعمل في برلين والقاهرة في الفترة من 1858م ل1870م وأدار للمصور الفرنسي الشهير فيلكس بونفيلس الأستديو الذي افتتحه لفترة في القاهرة وكانت صور هامر شميدت تتميز بالتقنية العالية والحفاظ على طابع الإضاءة الساطع لمنطقة جنوب المتوسط وفي بداية عمله في مصر عمل في الرحلات النيلية في مصر والسودان وكذلك في الصحراء الليبية وتميزت صورة بالبانورامية التي اكتسبها من تصوير الرحلات وقد عرض هامر شميدت صورة في المعرض العالمي في باريس وطبقاً لموسوعة فوتوغرافيا القرن التاسع عشر فإن صور إحتفالات افتتاح قناة السويس1869م والتي طافت العالم ونشرت على نطاق واسع بعد هذه المناسبة تعود إلى ويلهم هامر شميدت ولم يعرف شيء عن حياته بعد هذا التاريخ ،ولم يكن هؤلاء فقط هم من قاموا بتصوير القناة بل أصبحت القناة محجة للمصورين والرحالة والمستكشفين الأقل احترافية أو الذين مروا بها مروراً عابراً في إطار رحلاتهم وقاموا بتصوير المراكب والسفن والمدن أما المصورين المحترفين الذين ربما صوروا الأشخاص والمدن بغرض جني الربح وصناعة الكروت بوستال للعابرين والألبومات التي شاركوا فيها في المعارض العالمية وبيعت في المتاجر الأوروبية ، فإن اهتمامهم الرئيس كان بالمشروع العملاق ولذلك ورغم تنوع مشاربهم واختلاف المدة التي قضوها على ضفة القناة إلا أن صورهم كانت في أغلبها يجمعها الطابع الهندسي والمنظور الأفقي أو الرأسي العمودي مع اتخاذ زوايا رؤيا لتضخيم الآلات أو المراكب والمعالم التي في الصورة أما العنصرالبشري القليل جداً في الصور فكان كعامل مساعد لإيضاح الضخامة وإضفاء الجلال على الصورة الهدف الرئيس كان الرهبة والقوة والعظمة لم يختلف في هذا مصور عن آخر كان للصور هدف واحد إظهار التفوق وتعضيد مجد الإمبراطوريات الاستعمارية معمرة الصحراء ،فالصورة كانت سلاحاً لإظهار التفوق استخدم على مدار أعوام حفر القناة ومابعدها كما استخدم مرة أخرى أيضاً عندما أحتل الإنجليز مصر في العام1882م بهدف حماية المصالح الأجنبية والملاحة في القناة أيضاً فصور آرنو نفسه وأيضاً الأخوين زانجاكي الإسكندرية التي حطمتها مدافع أسطول ويلسلي في العام1882م وسوتها بالأرض صور هؤلاء ومعهم مجموعة من المصورين الأجانب الآخرين أبرزهم الإيطالي لويجي فيوريللو المدافع المدمرة والمباني المهدمة وجثث القتلى من جيش عرابي والمدنيين العزل في الاسكندرية  والتل الكبير بل إن فيوريللي طبع ألبوماً كاملاً لما سمي بالحرب الأنجلو مصرية محققاً أرباحاً هائلة وصور زانجاكي نفسه مع المدافع والجثث بينما اكتفى آرنو بصور الأشلاء الممزقة والعتاد المحطم على طريق التل الكبير ،وكانت صورة ميدان المنشية (القناصل في تلك الفترة) الذي سوي بالأرض رمزاً لعظمة وجلال الإمبراطورية البريطانية ومصدر فخار لأبناءها ربما كان هذا هو السبب الذي دفع عبد الناصر ليعلن قرار التأميم1956م من قلب الميدان نفسه ليكتب بكلماته بداية نهاية عصر كامل من الإمبريالية الفرنسية البريطانية وتسجل الصورة الفوتوغرافية والمتحركة هذه المرة أيضاً لحظة النهاية في مصر كما سجلت لحظات البداية فيها وتعود مصر للمصريين.




الحفار العملاق أعمال البناء في القناة -جاستين كوزويلسكي

الحفار العملاق أعمال البناء في منطقة السيرابيوم بالقناة-جاستين كوزويلسكي

رصيف الفحم ببورتوفيق -تصوير جاستين كوزويلسكي

عمال الحفر الإيطاليين والأجانب وتظهر في خلفية الصورة معدات الحفر الحديثة - تصوير جاستين كوزويلسكي

عمال الحفر الإيطاليين والأجانب ومسؤولين من إدارة القناة مع موظفين حكوميين مصريين وتظهر في خلفية الصورة معدات الحفر الحديثة - تصوير جاستين كوزويلسكيز

غلاف ألبوم جاستين كوزويلسكي السويس

منصة الاستقبال الرئيسية - تصوير ويلهلم هامر شميدت

غلاف ألبوم هيبوليت أرنو لصور قناة السويس -بورسعيد

قوافل العربان القاطنين في منطقة القناة   - تصوير أرنو

قوافل لنقل الإمدادات للعاملين في بداية أعمال الحفر - تصوير أرنو

مرور قافلة من السفن ويظهر في الخلفية مبنى شركة قناة السويس للملاحة تصوير هيبوليت أرنو1875









رسام البلد حامد عبد الله ... عاشق الأرض والروح - مقالي بمجلة الهلال عدد مارس 2016



"لكل قرية فنانها المجهول الذي يبني بيوتها ويزين واجهاتها بطريقة خلاقة مستعملاً زخارف هندسية وصوراً بدائية ويدخل في صلبها نصوصاً مقدسة" هذا التصريح الذي هو جزئ من حوار أجراه الفنان الكبير حامد عبد الله (1917م- 1985م) لمجلة كنست الدنماركية عام 1958م لخص ما أنجزه الرجل في مسيرة حياته والهدف الذي سعى إليه فيها وهو أن يكون ببساطة رسام البلد، والبلد هنا هي مصر كلها وليس فقط القرية، مصر التي ارتبط بها بحالة عشق صوفية جعلته يفني عمره في البحث في المرئي واللالامرئي في دراسة الرسم والتصوير والتقنية والفلسفة والعلوم ليطوف العالم خلف المعرفة والبحث منذ بداية رحلته وحتى آخرها ليعطي أرض معشوقته ترابها وناسها وهواءها وطبيعتها حالة كونية يخلقها بعينه ورؤيته ويمنحها للعالم كله حتى يعرف عظمتها ويسمع كلمتها ،حلم عبد الله بأن يكون رسام البلد بدأ مع تفتح وعيه فالطفل الذي كان مولعاً بشدة بالتحديق في وجوه أقاربه عرف هدفه يوم رسم له عمه أسداً من مخيلته فعل أيقظ فيه الدهشة والشغف والحلم ،حلم راوده يومها وظل يسعى لتحقيقه طوال حياته وحتى آخر لحظاته كان لحلمه شقين لخصهما في مقولتين الأولى "إني أسعى لتصوير الشعب للشعب وأتمنى أن أتمكن من التعبير عن آمال الشعب وعن كفاحه في الحياة" ،والثانية "لغة الرسم هي لغة العالم إني شديد الإهتمام بالتفاهم بين البشر في العالم وإني أدرس حثيثاً هذا الموضوع من خلال علاقته بالفن ربما توجد بعض الإختلافات بين شخص وآخر لكنها غير موجودة بالضرورة بين البشر" وفي قوله أيضاً "لنا تاريخ أن الفن وحده قادر على خلق علاقات بين الأمم رغم كل شيء لأنه يتحاور مع الإنسان في كل الأزمنة والأمكنة وهو ثمين جداً لهذا السبب".
منذ اللحظات الأولى لمشواره حدد حامد عبد الله هدفه وخاض رحلته في الزمان والمكان لتحقيقه  ومنذ بدايات مشواره أدرك إبن حي المنيل سليل الفلاحين وأبناء البلد أن عليه دوماً أن يدرك أن عمله الفني المحمل بروح شعبه وهواء وطنه لابد أن يكون متفرداً وشخصياً ونابعاً من إيمان ورؤية خاصة به وأن عليه دائماً أن يحرص على التوازن بين الفكر والتقنية وأن عليه أيضاً أن يبدع عالمه الخاص عالم لا يقتبس عناصره من الطبيعه ولكنه يقوم على الواقع على أسلوب حياة البشر وتفاعلهم مع الواقع العميق لوجودهم الإنساني بعيداً عن قشرة المظهر الخارجية فحامد عبد الله ليس فناناً تجريدياً هو نفسه يقول عن نفسه "إلا أن مبدئي كفنان شرقي هو أن أرسم الطبيعة كما أراها بفكري لا كما أراها بعيني"،  إنه دائماً ما يحتفظ بتلك العلاقة المتينة مع الحياة الواقعية رغم البعد عن التمثيل الطبيعي وهو ما تؤكده لوحاته منذ البدايات مثل السوق1940م ،في المقهى1938م وتأمل 1951م حيث أدرك حامد أن دوره كفنان هو التعبير وليس الحكاية أو كما يقول "الفن يعبر ولا يروي يشير ولا يشرح"، فاستلهم عبد الله مصر بطبيعتها بألوانها بأجساد أبناءها البسطاء العمال والفلاحين بتلألؤ ضوء الشمس فوق النيل استلهم خطه من تشققات أرض الفلاحين فظهر الخط الأسود القوي المميز إلى جوار اللون الأبيض والألوان الساطعة ورويداً رويداً بدأت العلاقة بين الشكل والفراغ تتحد وأصبح له سمات أكثر نحتيه ووضوحاً وهكذا طور عبد الله أسلوب رسام البلد الذي جعله متفرداً عن أقرانه ومعاصريه هذا الأسلوب الذي جعل قاموس "بيتي لاروس" الفرنسي للفنون يثني عليه مشيراً إلى أن "الدور التثقيفي الذي يلعبه هو استبعاده المشاهد الخلابة للفضاء الواقعي من عمله ليطوع موضوعاته لمتطلبات البناء التشكيلي فهو رفض الفن الرسمي من أجل أن يطور أسلوبه الشخصي المتواصل مع حقيقة الواقع المصري وعلى مدى أكثر من خمسين عاماً عمل دون توقف مخلفاً وراءه عدداً كبيراً من الأعمال الفنية واللوحات والأعمال الليثوغرافية لتشهد لنا هذه الأعمال اليوم عن بحثه الدائم وعن إبداعه الذي لم يتوقف عند حد".
لكي يصل عبد الله لهذا الأسلوب لم يكتفي الفتى الذي رفضته مدرسة الفنون الجميلة لأنه لم يحصل على الثانوية وكان حظه من التحصيل الدراسي شهادة من قسم الحديد المشغول في معهد الفنون التطبيقية المجاني بالجيزة بدراسة تاريخ الفن العالمي وسير كبار الفنانين العالميين وكتب الفلسفة والأدب والسياسة وعلم الجمال بل سافر إلى عمق مصر إلى قلب النوبة وأسوان درس الفن الفرعوني والبطلمي والروماني والقبطي والإسلامي وظل منحازاً للشعب للفن الشعبي وللإنسان الشعبي وللتعبير الشعبي حتى وهو في إقامته الأولى في باريس كان مهموماً رغم صعود نجمه بأهله مما دفعه ليكتب وهو في مدينة النور سنة1951م نصاً أسماه الطريق قال فيه "الطريق الذي أعنيه ليس الطريق الذي يسلكه الفرد ذهاباً وجيئة بل طريق الحياة، الطريق الذي أعنيه هو طريق الناس طريق من إذا فهم أعداء الحياة مرارة الشقاء.. بل شقاء الجبابرة الذين تلقوا ضربات القرون في إحتمال بطولي من لا يملكون شيئاً غير النفوس الكبيرة المفعمة بالأمل".
عاد عبد الله إلى مصر وشارك بدور فعال في إحياء الحركة الفنية في مصر بعد ثورة1952م وفي العام1956م جاب العالم في جولة معارض في باريس وأمستردام وروتردام وكوبنهاجن ،شارك في قضايا بلده منذ العدوان الثلاثي وشارك في الحرب ضد الصهيونية ظل مهموماً بوطنه ممثلاً له فكتب في دراسة له "تنتمي أعمالي إلى التقاليد العربية المصرية إنها تتموضع في مسار تطور حضارتنا ،ليست غلطتي إذا تم التعرف في عملي على بعض العناصر التي كنتم أنتم الغربيون قد استوحيتموها من حضارتنا" ،الحقيقة أن عبد الله لم يهمل يوماً الفن الغربي وتقاليد المدارس الغربية بل وأيضاً الفن الصيني والياباني والفنون الشرقية بوجه عام لكنه مزجها جميعاً مع موروث قبطي فرعوني إسلامي شعبي ومناظر من ذاكرة الحياة اليومية وأضاف له رؤيته وطابعه وأسلوبه ليعطي متلقيه عملاً فنياً بمثابة رحلة زمانية مكانية تحمل فرادة أسلوب حامد عبد الله وملامحه الخاصة لذلك قال أيضاً "على الفنان أن ينظر عبر الآخرين وأن يرى التقاليد الثقافية للشعوب الأخرى ليستطيع أن يتعرف فعلاً على ثقافته من جهة أخرى كنت أطمح ومازلت بأن يكون عملي بطريقة ما جسراً بين عالمينا وأن يساعد على خلق تفاهم مشترك" ،كانت رحلته كنيسة البلاتين في باليرمو العام 1957م مثال على هذا فكما قال الناقد الإيطالي فرانكو غراسو "هنا بحث حامد عبد الله عن أكثر من إلهام ،لقد بحث عن ذكريات متجذرة في اللاوعي عن ماضيه وهو ما يثبت نبل وعراقة فنه وأصالته" ،مثال على معرفة كيفية بناء هذا الجسر وجوه البلاتين التي رسمها وكانت بداية لما أسماه ارتجالات خطية فيما بعد ثم جاء تصريح الناقد الدنماركي بولزان "أن عبد الله هو شعلة حقيقية عاصفة من الصحراء الحارقة أمامنا الكثير لنتعلمه منه" بمثابة دليل على نجاحه في تحقيق هدفه ،ولم يبخل حامد عبد الله بخلاصة أبحاثه ودراساته بل كتب دراسة عن التأثر المتبادل بين الشرق والغرب ودراسة أخرى عن رمبرانت وجيوتو وسيزان ومواضيع فنية أخرى ، لم يقف إبداع عبد الله عند ذلك بل سعى ومنذ بداية حياته إلى استكشاف إمكانيات الخامات وليس اللون وتأثيراته والذي أثبت مهارة غير عادية في استعمالها فقط لكن براعته في ابتكار واستنباط الملامس كانت فائقة فتلاحظ تلك التشققات التي تذكرك بطمي النيل في أوقات الجفاف أو بشقوق على الحوائط المصنوعة من طين الأرض والمطلية بطبقات من الجير غير المتساوي المحبب التي كان يصنعها بالعجائن والورق المكرمش أو القطران المغطى بورق فضة ومحمي بلهب اللحام ربما ليعطي إحساساً بصرياً رآه لحرق الحديد بآلة اللحام في المدرسة كما كان يستعمل بالإضافة للمعاجين البوليستر والجبس والأسمنت والجير والخيش وكل يتاح له ليصل للملمس البصري الذي يريده ويضفي قوة ورونق على الخطوط والألوان فوقه ،خلق عبد الله حائطه الخاص الذي يرسم عليه ما يراه تعبير فردي ترتبط جذوره بروح الشعب ووضع عليه رسومه وزخارفه وأيضاً نصوصه ففلسفة حامد عبد الله في الكلمة بسيطة ومستمدة من الديانات تقول زوجته أنه كان دائمأما يردد أجزاء من الكتب المقدسة في الميثولوجيا المصرية "ولد تحوت الذي خلق العالم من الكلمة" ،في الإنجيل "في البدأ كانت الكلمة" ،في القرآن الكريم "الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنه يقول له كن فيكون" ،على مر تاريخ الإنسان كانت الكلمة مقدسة الكلمة شفرة الخلق علامة البداية مفتاح الحياة الأرض كلمة والإنسان كلمة للكلمة روح وحياة وخلود فهي حاملة إرث الوطن والبشر ،كلمات حامد عبد الله ليست مجرد حروف مخطوطه على سطح لوحة بل هي نصوص متكاملة تحمل في جانب منها شكل تصويري خطي يتضمن قدراً عالياً من الصرحية النحتية وتتداخل الألوان وأحياناً البريق المعدني مع الخامات الغير مألوفة في أحيان كثير لتعضيد هذه الصرحية لكن هذه الصرحية لكن هذه الكلمة في جانب آخر منها لها بعد جسدي بكل خطوط وتقاسيم الجسد وهي ككل متكامل تنتمي لعالم روحي تذوب فيه حدود الجسد مع حدود الحرف ليشكلا سوياً ملتحمين معنى العمل الفني في ذهن المتلقي خالقاً حالة مزج خلاق وديناميكي بين المعنى اللفظي والتجسيد التشكيلي مثل مجموعة لوحات المحبة ولوحات الأحرف القاف والهمزة والكاف والعشاق في هذا العالم الروحي مطلوب من التلقي أن يرى ما خلف الحرف وما خلف الجسد أن يرى الذرات التي يتكون كلاهما منها ويشعر بها في إطار الوجود الكلي .
أراد عبد الله أن يحاكي المصري القديم عندما جعل من الصورة إشارة وكانت هذه الإشارة حرفاً أراد أن يجعل من الحرف العربي مرآة لما يعبر عنه أن يجعله إنعكاس للمعنى المقصود في ذهن المتلقي أو القارئ يبدو هذا جلياً في مجموعات طلسم "استسلام- مقاومة- ثورة – عبودية- الشريدة- الحرية- أمل- القذارة- المرض-......إلخ" ،ظل حامد عبد الله يرسم كلمات تشكل معان خاص في وجدانه ووجدان ناسه ،عاصر هزيمة 1967م وواكبها بأعماله ووفاة عبد الناصر ونصر 1973م ومعاهدة كامب ديفيد والتي رآها عاراً وانهزاماً واستسلاماً ثم الإنفتاح الذي رآه انفشاخ واستمر وفياً لفكرة رسام البلد المعبر عن أحلامه وآماله وأفراحه وأحزانه كما ظل يعلم ويتعلم ويبهر العالم بصوره وأشكاله الهندسية ونصوصه المكتوبه وميراثه العميق وضفيرته المعرفية الفنية والفلسفية وروح المصري الأصيل الوفي لوطنه وعروبته وميراثه الحضاري يخلخل الثوابت ويدهش الأعين حتى وفاته في 31 ديسمبر1985م بباريس لتحتضنه بعدها أرض مصر محبوبته في آخر طقوس العشق عندما يضمه صدر الحبيبة ليلتحم بذرات ثراها ويفنى العاشق في المعشوق ويعود رسام البلد الذي لم يكن أبداً مجهولاً إلى أرضه وأصله بعد أن علم العالم الكثير, وفي هذا العام2016م في الذكرى الثلاثين لوفاته تستضيف قاعة أفق بمتحف محمود خليل وحرمه معرضاً استيعادياً للفنان بالتعاون مع جاليري كريم فرنسيس لتثري عشاقه وتعرف الأجيال الجديدة من الفنانين على مدرسة من الفن المصري الأصيل.