الاثنين، 30 نوفمبر 2015

غاندي والصراع العربي الصهيوني -مقال شذى يحي بمجلة ”المجلة“ عدد أكتوبر2015



قليلون من يعرفون أن المهاتما غاندي كان أحد كبار الداعمين للحق الفلسطيني وأنه اتخذ موقفاً رافضاً للحركة الصهيونية منذ نشأتها وكتب العديد من المقالات ضد ما يحدث في فلسطين وضد إستقواء اليهود الصهاينة بالإنجليز والأمريكان ،ظل حتى آخر لحظة في حياته متمسكاً  برأيه هذا حتى أنه نشر مقالاً قبل اغتياله بحوالي العام وبضعة أشهر في جريدته هاريجان ليؤكد فيه تمسكه برأيه هذا ،وجدير بالذكر أن هذه هي المرة الأولى في مصر التي تنشر فيها الترجمة العربية لمقاله الذي نشره تحت عنوان  اليهود وفلسطين .
ومنذ القدم كان هناك  حبل سري يربط ما بين المنطقة العربية وشبه القارة الهندية فالوطن العربي كان ومازال طريق التجارة والثقافة من الهند للغرب ومن الغرب للهند أو كما سمي قديماً طريق التوابل ،والهند كانت ومازالت طريق التجارة والثقافة الذي يربط بين الوطن العربي والصين وجنوب شرق آسيا الذي سمي قديماً بطريق الحرير وقد توالت غزوات الفرس والمقدونيين والرومان على العرب والهنود عبر هذه الطرق كما انتقلت السلع والثقافات والعادات ولذلك وحتى يومنا هذا كان الشأن الهندي شاغلاً للعرب كما هو الشأن العربي بالنسبة للهنود ،ولم تكن القضية الفلسطينية في عصرنا الحديث بعيدة عن نظر السياسيين الهنود حتى في فترة كفاحهم ضد الاحتلال الإنجليزي ولعل هذا ما يفسر إقدام حزب المؤتمر الهندي في فبراير من العام 1938م وهو في ذروة نضاله ضد الاستعمار على إصدار بيان يدين فيه بريطانيا لتبنيها مشروع التقسيم كما سجل إدانته أيضاً لاستخدام العنف وفرض أوضاع على الأرض وإجبار العرب على قبولها وعبر عن تعاطفه مع العرب في صراعهم من أجل الحرية ، في سبتمبر من العام نفسه أصدر بيان آخر يطالب فيه بريطانيا بالتخلي عن سياستها وترك الأمر لليهود والعرب لإصلاح ما بينهم من مشكلات كما ناشد الحزب اليهود بألا يتخذوا من الإمبرياليه البريطانية ملاذاً لهم.
ولم تعبأ بريطانيا ولا اليهود برأي حزب هندي بسياساتهم في فلسطين وأرجعوا هذا لخوف الحزب من دعوات تقسيم الهند على أساس ديني بين المسلمين والهندوس وهو ما سوف يحدث فيما بعد ،لم يهتم الصهاينة إلا بكلمات رجل واحد فقط ظلوا يحاولون أن يهونوا أو يوجدوا مبررات وأسباب لكي يخففوا من وقع كلماته عبر المؤسسات البحثية الغربية ومراكز البحوث الصهيونية رغم مرور مايقرب من سبعين عاماً على وفاة ، "موهان داس كارام شاند غاندي" (1869م- 1948م) أو الماها آتما "الروح العظيمة" أبو الهند صاحب مبدأ اللاعنف الرجل الذى قال "إن الذي يدفع الخير على الشر فكانه فتح العالم" ،كان إهتمام غاندي بقضية فلسطين مبكراً جداً فقد عبر في مقابلة أجراها لجريدة الدايلي هيرالد اللندنية في 16مارس1921م عن إيمانه بوجوب سيطرة العرب على المناطق المقدسة وأن هذا في مصلحة إستقرار الهند والمسلمين الهنود خاصة مع حفظ كل حقوق اليهود والمسيحيين في أداء شعائرهم الدينية كاملة التي على حد قوله لا تستطيع حتى المدافع أن تمنعهم من آدائها ،وبعد عدة أيام في 23مارس من نفس العام كتب مقالاً في جريدة الهند الفتية Young- India قال فيه أن الوعد الذي منحته إنجلترا للصهاينة في فلسطين ومحاولة تصويره على أنه المنقذ الوحيد من الشتات غير مقنع بالنسبة له وأنه لا يستطيع أن يلوم جندياً مسلماً يذهب للقتال مع أبناء جلدته ضد تسليم أراضيهم لليهود وأنه مع حرية العبادة الكاملة لجميع الأديان مع بقاء فلسطين وما أطلق عليه جزيرة العرب تحت حكم الخلافة ومنع تهجير الفلسطينيين وهذا يعكس وعياً قوياً بالقضية الفلسطينية وأبعادها ،وفي حديث له لجريدة "جويش كرونيكال" صرح أن الرغبة الصهيونية في احتلال فلسطين ليس لديها أي قدر من القبول لدي بإمكاني أن أتفهم رغبة بعض اليهود في العودة لفلسطين وبإمكانهم أن يفعلوا هذا ولكن بدون الاستعانة بالقوة منهم أو من بريطانيا بإمكانهم أن يذهبوا بسلام وبصداقة مع العرب أما جبل صهيون المقدس فمحله القلب ولذلك فمكان الصهيوني من الممكن أن يكون أي بقعة من العالم، وقد دفعت هذه التصريحات الصحيفة لأن تكتب في نفس العدد "إن السيد غاندي هو واحد من أقوى سته زعماء في العالم على قيد الحياة وأن رأيه في أي موضوع لابد ان يأخذ بعين الاعتبار رغم اعتبار البعض أنه ذو قيمة ضئيلة ولا يمكننا أن ننعت الرجل بأنه معاد للسامية خاصة وأنه ذكر أن لديه العديد من الأصدقاء اليهود ولكننا فيما يختص بتصريحاته عن الحركة الصهيونية فنحن لنا ميراث حضاري كبير في كل دول العالم ولسنا بحاجة لتعزيزه ببضعة مستوطنين في فلسطين، فنحن بحاجة لوطن نبدي منه رأينا السياسي ويكون لنا صوت في العالم أما فيما يختص بالسلام ومقابلة الإساءة باللاعنف وخاصة مع أعداء السامية فنحن ننصحه بنشر هذا المذهب بين بني جلدته لعل الأمور في بلادهم تصبح اكثر إستقراراً" .
وقد أرسل العديد من القراء إحتجاجهم للصحيفة على تصريح غاندي بأن ما يحاول الصهاينة فعله في فلسطين هو إعادة إحتلال ،كما أرسل مستوطن يدعى حاييم جرينبرج رسالة لغاندي في العام1937م يحاول فيها تغيير رأيه ويسأله لماذا يحرم الشرق من لمحة من تقدم الغرب يقدمها له اليهود المستقرين في فلسطين ويدعي أن السكان الأصليين كما يشير للعرب في منتهى السعادة وقد استفادوا كثيراً من الخبرات والمعارف والخدمات التي يقدمها لهم الصهاينة ويشبه اليهود في أمريكا وأوروبا بأنهم كمنبوذي الهند الذين يدافع غاندي نفسه عن قضيتهم وأرض الميعاد هي فرصتهم للخلاص لأنها أرض أجدادهم الأول التي يسكنها الهمج الآن مختتماً خطابه له بجملة مستفزة هي "الإسلام ليس لك صوتك هو صوت الهند الفتية".
ولكن غاندي لم يغير رأيه ونشر بعد بيانات حزب المؤتمر التي تلت قرار التقسيم مقال في صحيفته هاريجان Harijan بتاريخ 26نوفمبر1938م كتب فيه كلمة إلى اليهود الموجودين في فلسطين "ليس لدي أدنى شك في أنكم تسلكون طريقاً خاطئاً ففلسطين بالمفهوم الذي جاء بالتوراة ليس مكاناً جغرافياً إنها في قلوبكم" ويقول في آخر المقال "إنني لا أدافع عن تجاوزات العرب فقد كنت آمل أن يختاروا طريق اللاعنف من أجل ما يعتبرونه بحق إغتصاب غير عادل لبلادهم ولكن وحسب القواعد المنصوص عليها لا شيء يمكن أن يقال عن المقاومة العربية في مواجهة تفوق ساحق" ،وقد أرسل صديقه مارتن بوبير رداً على مقاله من القدس بتاريخ 24فبراير1939م ورد فيها "أنت تسأل لماذا لا يكون اليهود مثل بقية الناس على الأرض يتخذون من البلدان التي ولدوا فيها وترعرعوا وكسبوا أرزاقهم وطناً وبيتاً؟ لأن مصيرهم مختلف عن اي شعب آخر في الأرض قدرهم ألا يجدوا العدل إلا في هذه الأرض من حقهم أن تكون لهم أرض ومركز يتوجه قلوبهم نحوه واستطرد قائلاً في موضع آخر نحن نسعى لأن نوجد مجتمع يهودي حر على هذه الأرض كما وعدنا الكتاب المقدس وتأتي أنت لتقرر أنها خطيئة ولا إنسانية محاولة إحلال اليهود محل العرب، ماذا تعني بكلامك في ان الأرض تعود لسكانها لمن سرقوها واستوطنوها ويحرم منها أصحابها الأصليين إن كل ما يهمك هو حقوق الملكية ولا يهمك حق الطرف الآخر في أرض حرة؟!! ،إن المستوطنين لم يأتوا إلى فلسطين كمستعمرين ولا لاستعباد السكان الأصليين إنهم يعملون بأيديهم حاملين محاريثهم على أكتافهم هذه الأرض تعرفنا لأننا نعرفها".
وقد استمر الجدل والخطابات الغاضبة لعدة أشهر بعد المقال تلا ذلك ثورة اليهود على غاندي لكتاباته التي تطالبهم بإستعمال اللاعنف في تعاملهم مع ألمانيا تلا هذا قيام الحرب العالمية الثانية وتحول أنظار العالم إلى مايدور فيها ،وبحلول مارس من العام1946م حاول الصهاينة مرة أخرى أن يكسبوا المهاتما في صفهم فذهب وفد برئاسة هونيك Honich رئيس المجمع اليهودي العالمي ليناقشوا المهاتما في مسألة الاعتراف بالوطن القومي لليهود في فلسطين وكما ذكر لويس فيشر في أوراقه فإن السؤال الأول الذي سأله لهم غاندي لماذا فلسطين؟ وكان الجواب لأن هناك ستمائة وخمسين ألف يهودي مستقرين فيها بالفعل وأنها ملاذ آمن للناجين من أوربا ،وكان رد المهاتما إن ما تريدونه لا استطيع أن أعطيكم إياه إلا بموافقة مسلمي الهند ثم أضاف كيف حصلتم على الأراضي التي تحت أيديكم وهل يعمل بها عرب؟ وكان الرد إنهم اشتروا أغلبها من اصحابها وأنهم يسعون لخلق نوع من الإحساس الوطني بين المهاجرين اليهود ولذلك لا يسمحون للعرب بالعمل فيها، وأن جميع الأطراف ستكسب فليس لدى العرب ما يخسرونه لأنه منذ العام1917م استصلح اليهود أراضي قفراء لا يسكنها أحد ،فسأل غاندي مرة أخرى ماذا عن العرب؟ فرد سيلفرمان أن هناك خمس ممالك مستقلة يمكنهم اللحاق بها بالإضافة إلى أن سوريا ولبنان على وشك الإستقلال، فرد غاندي إذن هم سيتركون أرضهم إذن فهم سيخسرون أراضيهم فكان ردهم كانوا يسكنونها في ظل الحكم العثماني ، فكان رده: أنتم تريدون العرب أن يضحوا بشيء يملكونه لصالحكم ؛ فكان ردهم: نحن نريد منهم تضحية بسيطة لكي يتحقق العدل في الموقف ككل، وفي نهاية اللقاء سألهم غاندي: هل لي أن أسأل ألا يمكنكم السيطرة على العصابات ؟ فكانت الإجابة أنت نفسك تعرف مدى صعوبة السيطرة على الشباب لكنهم لو أحسوا بأن هناك آلية لتنفيذ وعد بلفور سيكون هذا له تأثير ناجح، وكان رد غاندي في النهاية بإمكانكم مقابلة السيد محمد علي جناح وبدون موافقة المسلمين أخشى أنه لا إمكانية لفعل شيءفي الهند.
وقد روج الصهاينة أنهم استطاعوا أن يقنعوا غاندي بتبني قضيتهم وأرسل له أحد أصدقاءه مقالاً يفيد ذلك فنشر غاندي مقاله السالف الذكر ليوضح أنه لم يغير رأيه ولم يحد عنه ، وكانت آخر كلمات غاندي حول النزاع العربي الصهيوني هي إجابة لسؤال طرحه عليه مراسل وكالة يونايتد بريس أوف أمريكا ونشر في الصحف الهندية بتاريخ 2يونيو1947م كان نصه : في رأيك ما هو الحل المناسب للمشكلة الفلسطينية؟
وكان رد المهاتما : أن يوقف اليهود كل أشكال الإرهاب وكافة أشكال العنف.
لتنتهي حياة المهاتما غاندي الرجل الذي حارب التعصب والعنصرية بعد ذلك بعدة أشهر في 30يناير1948م على يد ناثورم جوتس أحد المتعصبين الهندوس.



ترجمة نص مقال غاندي :اليهود وفلسطين
المهاتما غاندي
جريدة هاريجان 14يوليو1946م
حتى الآن ابتعدت كلياً عن الادلاء بأي تصريحات علنية فيما يختص بالصراع العربي اليهودي وجاء هذا الامتناع لأسباب وجيهة وليس معنى هذا أنني لا أولي إهتماماً بهذه المسألة ،بل يعني أنني لا أجد نفسي معداً بما فيه الكفاية وليس لدي القدر الكافي من المعرفة الذي يؤهلني للحديث في تلك القضية ،لقد حاولت أيضاً أن أتغاضى عن إبداء وجهة نظري في أحداث عالمية أخرى لكن أربعة أسطر في مقال حفزوني للحديث ،لقد وصلتني رسالة من صديق تلفت نظري إلى جمل مقتطعة خارج سياقها تضمنها المقال الذي ذكرت والصحيح أني قلت فعلاً مثل هذه الأشياء في حديث طويل مع لويس فيشر في الموضوع المشار إليه ،فأنا مؤمن تماماً بأن اليهود ظلموا من العالم وعوملوا بقسوة ومازلت أتأثر حتى الآن من كلمة جيتو الأسم الذي أطلق على أماكن معيشة اليهود في الدول الأوروبية والمعاملة القاسية التي تلقوها والمحاكمات عديمة الرحمة لهم ولكن لم يذكر أبداً سؤال العودة إلى فلسطين ،فالعالم كله يجب ان يكون وطنناً لليهود على أقل تقدير لمساهماتهم المتميزة في تقدمه وفي رأي أن اليهود ارتكبوا خطأ فادحاً عندما سعوا لفرض وجودهم في فلسطين بمعونة أمريكا وبريطانيا وباستخدامهم للإرهاب الصريح ،فمواطنتهم وهويتهم العالمية من الممكن أن تجعلهم جماعة مرحب بها في كل مكان فهم لديهم قدرات على التدبير ومواهب متنوعة وتفوق صناعي مما يجعلهم محل ترحيب في أي بلد ،أما التحامل عليهم فمبني على قراءة متعصبة وخاطئة للعهد الجديد وهي بمثابة وصمة عار في جبين العالم المسيحي أدت إلى خلق كم هائل من التحيز والعنصرية ضدهم ،فإذا أخطأ يهودي سيتم لوم المجتمع اليهودي ككل على خطأه وإن اكتشف يهودي كألبرت أينشتين أو ألف أحدهم مقطوعة موسيقية بديعة ينسب الإنجاز لصاحبه وليس لمجتمعه فلا عجب من تعاطفي مع اليهود في محنتهم البائسة هذه ولكني تصورت أن المحنة ستعلمهم دروس السلام ،لكن لماذا كان عليهم ان يعتمدوا على الأموال الأمريكية والأسلحة البريطانية ليفرضوا أنفسهم على أرض لا ترحب بهم؟ ولماذا كان عليهم اللجوء للإرهاب لفرض هبوطهم القسري على فلسطين؟ كان يمكنهم الاعتماد على سلاح لا مثيل له الا وهو سلاح اللاعنف الذي بشر به أنبياؤهم الأوائل وعيسى هذا اليهودي الذي ارتدى تاج الشوك وورث أنات العالم لو فعلوا لأصبحت قضيتهم العالم بأجمعه ، وليس عندي شك أن هذا لو كان قد حدث لكان أفضل وأنصع الأشياء التي أعطاها اليهود للعالم على كثرة ما أعطوه ،وأن بركته المضاعفة كانت ستجعلهم سعداء وأغنياء بالمعنى الحقيقي للكلمة وبلسماً لهذا العالم المليء بالألم .

بانشاجاني - 14يوليو1947م
ترجمة: شذى يحي


مقال المهاتما غاندي -بجريدة بانشاجاني -14يوليو 1947م

     

المقاومة الفلسطينية -1936م

تهجير الفلسطينيين


تهجير الفلسطينين وخروجهم من ديارهم

صورة لوصول اليهود إلى فلسطين من شتى بقاع الأرض عبر البحر


السبت، 10 أكتوبر 2015

مصر الصغيرة .. الاستشراق عبر بوابة الرقص الشرقى - شذى يحي -مجلة الهلال عدد سبتمبر 2015



إمرأة حسناء قسماتها عربية عيناها سوداوان واسعتان وبشرتها  بلون الحنطة ولها شعر غجري داكن تتلوى وتتثنى نصف عارية مستعرضة جسدها الملفوف رغم ميله للإكتناز ،وتهز ردفيها الفخيمين بحركات افعوانية خليعة تثير الشهوات وتدغدغ الغرائز أثناء تمايلها الماجن على إيقاع الآلات الشرقية التي تعزف لحن صاخب.
هذه هي الصورة التي سوف تقفز لذهن أي أمريكي بمجرد أن يذكر أمامه إسم "ليتل إيجبت" Little Egypt أو مصر الصغيرة صورة رسختها وكرست لها الكثير من الأعمال الأدبية والمسرحية والغنائية وأيضاً الأفلام الهوليودية منذ أكثر من مئة عام وارتبطت بها العديد من المصطلحات التي هي الأخرى حملت بإيحاءات ومعان بذيئة ومهينة مثل الهوتشي كوتشي "Hochy-Khoochy" وهي تحوير لهشك بشك، والشيك أند شيمي "Shake and shimmy" أو الهز والتمايل وكذلك المصطلح الأشهر البيلي دانس"Belly-Dance" أي رقص البطن أو المعدة وهو الاسم الانجليزي الذي اصطلح عليه لتعريف الرقص الشرقي.
فمن هي إذن هذه المرأة التي حملت هذا الاسم العجيب وهل حقاً كانت سيئة السمعة وبهذه الخلاعة؟ وكيف وصلت إلى أميركا وحفر اسمها في الثقافة الشعبية الأمريكية بهذه القوة؟
للإجابة على هذه الأسئلة لابد من العودة إلى القاهرة نهايات القرن التاسع عشر بالتحديد العام1891م حيث كان الخديوي توفيق هو حاكم مصر في تلك الفترة دائم السعي في أن يثبت أن مكانة بلاده التي تسبب في إحتلالها من قبل الإنجليز في العام1881م لم تتأثر بسبب الاستعمار ولذلك كان حريصاً أشد الحرص على انتهاز الفرص للمشاركة في المحافل الدولية وخاصة المحفل الأهم في تلك الفترة وهو المعرض العالمي للفنون والصناعات الذي كان يقام مرة كل خمس سنوات في مدينة غربية ويعد بمثابة فرصة لإظهار الأمم لعظمتها ولكن ولأن مصر كانت مستعمرة ومكانها الطبيعي في المعرض هو رواق المستعمرات كانت حاشية الخديوي تتحايل بالزعم أن تمثيل مصر في المعرض يأتي من قبل مواطنين مصريين ومهتمين بمصر من جنسيات أخرى للحصول على جناح مستقل فيتم تعيين مدير للعرض وتقوم الحكومة المصرية بكافة التسهيلات والمصاريف في الخفاء، وقد دفع النجاح المذهل للجناح المصري في معرض باريس1889م وخاصة للجزئ الذي عرف "بشوارع القاهرة" الخديوي لأن يطلب من معاونيه الإعداد المبكر للدورة التالية في شيكاغو والتي ستقام في1893م والاهتمام بصفة خاصة بالرقص الشرقي الذي ابهر زوار باريس وجعل العرض المصري هو اكثر العروض شعبية في المعرض ،وهكذا اسندت مهمة تنظيم شوارع القاهرة إلى السيد جورج بنجالوس وهو مصرفي تركي من أصول يونانية وبدعم كامل من الحكومة المصرية للخروج بأفضل عرض مبهر وقد استمرت الحكومة على حماسها حتى بعد وفاة الخديوي توفيق وتولي ابنه عباس حلمي الحكم بل إن الخديوي الشاب كان أكثر حماسة من ابيه الراحل، رغم هذا فإن الأمر لم يكن سهلاً خاصة فيما يتعلق بالراقصات فشيكاغو لم تكن باريس إضافة إلى أن طول الرحلة إلى أرض مجهولة والغياب لمدة طويلة عن القاهرة جعلا من مهمة بنجالوس في توظيف الراقصات سواء كن شهيرات أو حتى مغمورات مهمة شبه مستحيلة مما دفعه لاستعمال الحيلة كما كتب في مقال نشر في مجلة كوزمو بوليتان الأميريكية في أحد أعداد عام1897م وعنونه "قصة شوارع القاهرة" ويحكي بنجالوس في المقال أنه أعلن في العام1891م عن مسابقة للراقصات ليشاركن في معرض شيكاغو1893م وبالطبع لم تتقدم ولا راقصة فقام هو بنشر إشاعة في أرجاء أحياء الراقصات في القاهرة وهي شارع محمد علي والأزبكية وروض الفرج وعماد الدين مفادها أن الآنسة فريدة مظهر القادمة من حلب والتي حققت في تلك الفترة شهرة مدوية في دنيا العوالم في زمن قياسي قد تقدمت للمسابقة ولم يتم قبولها لأنها ليست على المستوى المطلوب ,ودفع هذا العديد من الراقصات الشابات اللاتي كن يغرن من صعود الآنسة فريدة السريع للتقدم للمسابقة تلا ذلك طبعاً غضب شديد من فريدة ومحاولات للنفي ثم وبإيعاز من بنجالوس نفسه نصحها بعض المقربين منها أن تتقدم للمسابقة فعلاً وتعلن إنسحابها بعد إعلان قبولها لترد على المشككين ،وفعلاً تقدمت فريدة للمسابقة وقبلت ولكن دفعها إحساسها بالنجومية المفاجئة التي أحاطت بها وحبها للمغامرة أن توافق فعلاً على السفر لشيكاغو وهكذا تكون لدى بنجالوس فريق من الراقصات هن "فاطمة الحوري– فاطمة الحصرية- هانم- أمينة إبراهيم- سعيدة محمد- صديقة- نبوية- فهيمة- زكية- ماريتا- حسنية" وبالطبع بطلة عرضه فريدة مظهر والتي افردت لها رقصة خاصة بعنوان "فاتيما الجزائرية قادمة إليكم من المغرب"، وعلى الرغم من ان أمريكا عرفت الرقص الشرقي منذ 1876م عندما عرضت أكثر من راقصة في مئوية مدينة فلادلفيا لكن عرض 1893م كان هو الإحتكاك الحقيقي مع الجمهور الأميريكي الذي زار أكثر من إثنين مليون فرد منه الجناح المصري واذهلهم مسرح شوارع القاهرة براقصاته وبخاصة فريدة مظهر التي أطلق عليها الجمهور اسم "مصر الصغيرة" لأن مقاييسها الجسدية الممتلئة لم تكن مألوفة لدى الأميريكيين وبعد انتهاء المعرض أكمل بنجالوس مع راقصاته عروضهم في جولات مع المعرض العالمي عبر أنحاء أمريكا فتوجهوا غرباً إلى سان فرانسيسكو حتى العام1895م ثم شرقاً إلى نيويورك في خريف نفس السنة وانفصلت عنهم فريدة في نيويورك بعد أن أتاها عرض للرقص في كازينو كبير هناك ،ولكن هذا لم يستمر طويلاً حيث ثار بعض المحافظين الذين رأوا أن رقصات "الهوتشي كوتشي" كما سموها وما أطلقت عليه الصحف رقص البطن Belly dance وهي الترجمة الانجليزية للمصطلح الفرنسي Danse du ventre الذي استعملته الصحف الفرنسية للدلالة على الرقص الشرقي في معرض باريس1889م التي تقدمها فريدة هي شفرة وثنية شيطانية استخدمتها سالومي لتنجح في إقناع هيرودوس ليقطع رأس المعمدان، وأبلغوا الشرطة التي هاجمت الملهى مما دفع فريدة لمغادرة نيويورك عائدة لشيكاغو خاصة بعد رفضها لعرض من متحف نيويورك لتؤدي رقصة النحلة الخليعة التي ذكر الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير أن الراقصة كوتشك هانم رقصتها له في مصر، مما دفع المتحف لأن يتعاقد مع راقصة كارنفالات كندية تدعى كاثرين ديفين وتطلق على نفسها اسم الهند الصغيرة لأداء الرقصة فقامت كاثرين بتغيير إسمها إلى "عائشة وهبي" Ashea-Wabe ليعطي إحساساً عربياً ورقصت مدعية أنها هي نفسها مصر الصغيرة، وحتى هذا التاريخ لم تحتل مصر الصغيرة صفحات الصحف ولم يكن لها أثر كبير في الثقافة والحياة الشعبية الأميريكية رغم شهرتها النسبية حتى شهر ديسمبر من العام1896م عندما احتل اسم مصر الصغيرة الصفحة الرابعة في كل صحف أميريكا بعد حفلة عزوبية أقامها اثنان من أثرياء نيويورك هما الأخوين بارنوم سيلي "Barnum-Seeley" واستعانا بخدمات كاثرين ديفين منتحلة لقب مصر الصغيرة لتؤدي دوراً خليعاً في عرض مقتبس من رواية للفرنسي جورج دو موريير صدرت عام1890م اسمها "تريللبي" وكان من المفترض أن تتعرى البطلة في نهاية العرض وبالطبع أبلغ المحافظين الشرطة التي داهمت الحفل قبل تعري الآنسة ديفين وثارت ضجة هائلة حول كيف تداهم الشرطة حفلة خاصة لصفوة المجتمع واستغلت ديفين تلك الفضيحة التي استمرت لأشهر لجني المزيد من الشهرة والمال فقامت ببطولة مسرحية بعنوان "مصر الصغيرة حفلة عشاء آل سيللي" عرضت في مسرح الأوليمبيا ببرودواي وحصلت على الحقوق المادية عن أغنية ألفها جيمس ثورنتون بعنوان شوارع القاهرة، كما واصلت الرقص الخليع في عدة أماكن مما شجع العديد من النساء الأخريات على انتحال إسم مصر الصغيرة مثل من عرفت باسم عائشة دي جميل، وحدا أيضاً بفريدة مظهر التي كانت قد استقرت في شيكاغو وتزوجت من صاحب مطعم يوناني يدعى اندرياس سبيروبولس لأن تقيم دعوة قضائية عليها وتنشر تكذيبات في الصحف لكن ضجة ديفين استمرت هي المتصدرة خاصة بعد أن رفعت قضية على الأخوان سيللي تتهمهما فيها بأنها لم يعطياها حقوقها المالية بالتسبب لها في ضرر معنوي، كذلك بسبب أن شركة إديسون التي أنتجت أفلام ترويجية قصيرة للراقصات الثلاث ديفين- دي جميل- ومظهر وروجتها تحت اسم موحد هو القاهرة الصغيرة لتكتمل الصورة السيئة السمعة بإشاعة أن الروائي الأميريكي الشهير مارك توين قد أصيب بأزمة قلبية عقب مشاهدته لفريدة مظهر وهي ترقص ،زاد على ذلك الوفاة المفاجئة لكاثرين ديفين عام1908م مختنقة بالغاز تاركة وراءها ثروة من الرقص الخليع قدرت بمئتي ألف دولار وهو مبلغ أكثر من ضخم بمقاييس تلك الفترة وفي بلاد كانت تجتاحها حمى الذهب والحلم بالثراء السريع وسط مهاجرين فقراء لفظتهم بلادهم ،كانت هذه إشارة لأن تنتحل كل راقصة في حانة أو ماخور الاسم الذي جلب هذا الكم من الثراء على مدعيته الأولى فظهرت امرأة تتعرى في كل صالون وحان وفندق رخيص في أمريكا تدعي أنها مصر الصغيرة ولم يكن لفريدة مظهر بالتأكيد طاقة لملاحقة كل مدعية لشهرتها ،لكن فريدة مظهر حافظت على صورتها كفنانة محترمة ومؤدية لفن شرقي مبهر في مدينتها حتى أنها دعيت كأحد القامات الثقافية لترقص وهي في الثانية والستين في المعرض الذي أقامته شيكاغو بمناسبة مرور مئة عام على إنشاءها تحت عنوان مئة عام من التقدم عام1934م، ولم يظهر اسم فريدة مظهر سبيروبولس مرة أخرى إلا في عام1936م في أوراق دعوة قضائية رفعتها ضد شركة مترو جولدوين ماير منتجة فيلم "زيجفيلد العظيم" والذي ظهرت فيه شخصية مصر الصغيرة بشكل لم تره فريدة يليق بها وكتب في أوراق الدعوى أن الشركة لم تحصل على تصريح منها بصفتها مصر الصغيرة الأصلية من معرض1893م وأنها لم ترتدي يوماً الملابس التي ارتدتها الممثلة التي قامت بالدور أو قامت بالحركات التي قامت بها ،لكن الدعوى لم تكتمل نظراً لوفاة فريدة في العام1937م وشيعتها شيكاغو بجنازة مهيبة ومسيرة صامته ،وبوفاتها فتح الباب على مصراعيه لترسيخ الصورة النمطية للقاهرة الصغيرة وللرقص الشرقي في الذهن الجمعي الأميريكي بأفلام مثل "مصر الصغيرة1951م" من إنتاج يونيفيرسال وبطولة روندا فليمنج، وأغان مثل أغنية "مصر الصغيرة البينج واليانج1961م" التي غنتها فرقة كووسترز وغناها ألفيس بريسلي أيضاً واستمرت هذه الحمى في السبعينات والثمانينات فذكرت في أغنيات لواي ويلي هوبارد "حبيبتي ترقص مثل مصر الصغيرة" ،وهانك ويليام الذي ذكرها في أغنية بعنوان "امرأة عارية وزجاجة جعة" أما الأعمال الأدبية فقد ألف توماس ماكموهان رواية في نهايات القرن التاسع عشر بعنوان "أن تحب مصر الصغيرة" وبالطبع المسرحية التي عرفت باسم "شوارع القاهرة" أو "خادمة ريفية صغيرة" وعرضت في برودواي على مدى أعوام كل هذه الأعمال أضيفت هي أيضاً لأسطورة المرأة الخليعة التي كرست للصورة الاستشراقية واثبتت تفوق الشرق على الغرب وخلقت منها صورة نمطية امتزجت فيها ملامح الشرق على الغرب امتزجت فيها ملامح فريدة بخلاعة كاثرين مع حكايات كوتشيك فلوبير الجنسية، هذه هي مصر الصغيرة التي رسخت في أذهان الأميريكيين إلى يومنا هذا.












الواقعية المعاصرة ... الجمال أهم من الخبز - مقال شذى يحي المنشور بمجلة "المجلة "عدد سبتمبر2015

منذ بدء الخليقة كان مسعى الفنانين وهدفهم الأساسي فك طلاسم الكون وخلق عوالم موازية للعالم الذي عاشوا فيه ،عوالم ساحرة مستقاه من الأساطير والحكايات والقصص الديني وسرعان ما افتتن الفنانون بعوالمهم الخرافية هذه وأغرقوا في الانفصال عن واقعهم وبحلول عصر العلم والمخترعات سعى الفنان الثائر على الوهم والخرافة لتفكيك هذه العوالم الخرافيه والعالم الواقعي الذي يعيش فيه أيضاً بل وتفجيره في محاولات حثيثة لإيجاد مادة الخلق الأولى للكون والملامح التي صنعته وشكلته فحطم الطبيعة وأعاد تكوينها وتحليلها تارة ،وغاص في غياهب النفس البشرية تارة أخرى حتى وصل للعب بالعلاقات بين الخطوط والألوان المجردة ونغمياتها ، ومن هذه الثورة نبعت كل مدارس الحداثة التي اجمعت على احتقار الواقع المرئي والتعريض بالرسم الكلاسيكي والتشخيص بدعوى أنه إعادة خلق لما هو ملموس كما في الصورة الفوتوغرافية وتصاعد هذه الاتجاه وبلغ ذروته بعد نهاية الحرب العالمية الثانية خاصة في أكاديميات الفنون ،ولكن الكثير من المفكرين المعاصرين والاساتذة وطلبة الفنون ثاروا على هذه النظرة وخاصة بعد أن رأوا كم الدمار الهائل في العالم فأرادوا التعبير عن واقعهم بفنهم  واكبت هذه الثورة ظهور كتاب الواقعية المعاصرة لمؤلفه "جورج لوكاس" في برلين الشرقيه عام 1958م ، والذي كان محاولة لإيجاد مقاربة جديدة للفلسفة الماركسية في الثقافة والفن تختلف عن مقاربة ستالين وترجمته للإنجليزية عام1960م، وبدأت ملامح إتجاهات الواقعية الجديدة بالظهورفي مختلف أنحاء العالم لتشكل جزءاً هاماً مما سمي فترة ما بعد التجريد في ستينيات القرن العشرين وللمفارقة كان للولايات المتحدة الأمريكية الحظ الأكبر من هذه المدارس والاتجاهات حيث تعد الواقعية المعاصرة Cotemporary Realism واحدة من أهم الاتجاهات الفنية في أميريكا ،وهذا الاتجاه الذي ضم في داخله أساليب ومدارس متعددة منذ 1960م حتى وقتنا الحالي يقوم على مبادئ بسيطة لكن عميقة أهمها على الإطلاق هو الذي وضعه أحد اهم منظري الحركة الناقد ستيفن كرين Stephen Crane وهو أن "الفنان الحقيقي هو الفنان الذي يترك لوحة تعبر عن زمنه الذي يعيشه" ،فالواقعية المعاصرة تشجع الفنان على أن ينتج فناً محملاً بخبرات البشر المستمدة من الطبيعة ومن الحياة الواقعية ومن وجهة نظر الواقعيين المعاصرين أن هذا الأسلوب الموضوعي هو أيضاً الأكثر قدرة على التفاعل مع اللون والشكل والخامة والإضاءة لأنه يوظفهم في خلق موضوع سواء يإيجاده أو بإحيائه وهكذا تكون قدرة الفنان على توظيف أدواته أكثر قوة لأنه يحكي ماوراء الحكاية وليس فقط يخلق تناغم بين مجموعات من الأشكال والخطوط والمساحات اللونية الجامدة، وهم يرون أن للفن دور هو خدمة البشرية من خلال إظهار نوعية ومظاهر الحياة التي تجمعنا كبشر في العمل الفني فلا يوجد مما هو أكثر تعبيراً عن قيم ثقافة ما وأفكار معتنقيها أكثر من الفن الذي يمثل خلاصة حياتهم على مختلف الأصعدة وليس معنى هذا أن الفنان يعيد تمثيل مشاهد من الحياة في لوحته دون أي فكرة على العكس ففلسفة الواقعية المعاصرة تقوم على أن الواقع له كيان خاص مستفل عن مفهومنا ونوقعاتنا له وعن ممارستنا اللغوية اليومية وما نؤمن به فكل هذه المفاهيم ليست ذات صلة بالواقع الذي يعتمد في جزأ منه على مايدور في عقول الآخرين وماحدث في الماضي ويحدث الآن في الحاضر المبادئ الحسابية التي نعتمد عليها في حياتنا اليومية والقرارات التي يجب أن تتخذ وفقاً لما يعد أسس أخلاقية عن الأفكار المطروحة وما نراه مهماً ببساطة الواقعية كما يراها المعاصرون هي التعبير عن وجود العقل في العالم الملموس وما نراه واقعاً هو في الحقيقة استجابة العقل لما نراه حقائق ولذلك فكل ملاحظة جديدة يعبر عنها العمل الفني تقربنا أكثر لفنهم ماهية الواقع الحقيقي ، وعلى هذا فإن الواقعيين المعاصرين يختلفون مع المفهوم الكانطي في ان الواقعيةRealism هي ضد المثالية Idealism بل يرون أن الواقعية هي ضد اللاواقعية Antirealism وهو مصطلح يلخص كل مالا يمكن ملاحظته وتحليله بالنسبة لعقلنا "فللكون وجوده وكيانه المستقل والمكتمل والواقع هو ما نستطيع نحن تحليله منه".
علماً بأن الواقعية المعاصرة ليست إحياء بأي شكل من الأشكال لواقعية كوربيه وإنجر وأساتذة الفن الكلاسيكي رغم أنها تعتمد على القواعد الإغريقية في التصوير والنحت فهي واقعية نعم ولكنها واقعية بالمقاييس الجمالية للعصر الحديث واقعية تختلف عن تلك التي اهتمت بالبحث عن جوهر الجمال والجمال الأصيل في داخل كل عناصر اللوحة الواقعية التي كانت تبحث عن المثالية وعن الكمال ،وبينما كانت الواقعية الكلاسيكية تبحث عن الخلود فإن الواقعية المعاصرة  تبحث عن قضية تهم الجمهور وعن حالة يتواصل معها المشاهد في حياته اليومية أو في عالمه تؤثر فيه وترتبط به واقعية تسبر أغوار ما نعرفه من الكون وتناقشه وتتحدث عنه وربما هذا هو ما يفسر أن اغلب فناني الواقعية المعاصرة كانوا تجريديين في البداية ،وهذا لأن فلسفة الواقعية تتفق مع فلسفة الحداثة ومابعد الحداثة في كونها تسعى إلى الكشف عن ذلك الجانب غير المرئي وغير المحسوس في واقعنا ،ذلك الجانب الذي غالباً لا نلقي له بالاً وسط مشاغلنا اليومية رغم أنه يمثل أكبر الأثر فيها لكنها بالتأكيد تختلف في الأسلوب الذي تتبعه في إظهار هذا الجانب ، فوفقاً لرؤية كلاً من بيتر هارد(1908-1984م) وأندرو ويث(1917-2009م) مؤسسي حركة الواقعية الجديدة "إن الجمهور سأم من الأعمال الفنية التي تحتاج لكثير من الشرح والتبرير ويحتاج أن يتعرف بوضوح على ما يراه في العمل ويتفاعل معه على المستوى الإنساني أكثر من رغبته في التعامل مع المفاهيم فمدارس الحداثة وأيضاً ما بعد الحداثة هي مدارس فاشلة جاءت وليدة كوارث مرت بها البشرية في حربين عالميتين طاحنتين جاءتا بعد التبشير برخاء عصر العلم والمخترعات والتكنولوجيا الذي سيحل كل مشاكل البشر فنجم عنه الكثير من الدمار والأزمات الإجتماعية والإقتصادية مما فتح المجال أمام العقل البشري للأفكار العدمية والهدامة والساخرة وهو ما أتخذته فنون الحداثة ومابعد الحداثة لحده الأقصى" ، ومن وجهة نظرهم أيضاً أنه فيما يتعلق بالفن فبالتأكيد هناك ما هو أكثر من نافورة مارسيل دوشامب التي هي مجرد مرحاض ودوامات جاكسون بولك التي ليست أكثر من طرطشات لونية وأن الحل هو العودة إلى أساليب أساتذة فنون ما قبل الحداثة للتعبير عن قصص مرئية تعبر عن الحرية والحياة والجمال لأنه كما قال الكاتب الأمريكي د.ه.لورانس "تحتاج الروح البشرية للجمال أكثر من حاجتها للخبز".
وهكذا نشات الحركة التي أخذت مفهوم المعاصرة الذي طالما ارتبط بالحداثة ومابعد الحداثة وربطته بالتقاليد التقنية للأساتذة للتعبير عن الخبرات الحياتية والكونية وما يشغل البال في الحياة اليومية لتحتفل بالجمال والمغامرة والتجارب في حياتنا اليومية والتعبير عن الامتنان لكل ما ندرك أنه منحة الوجود لنا وهذا هو جوهر اختلاف الواقعية المعاصرة عن المدارس التي ظهرت في نفس الفترة كالفوتورياليزم "الهايبررياليزم حالياً" التي تميل إلى المبالغة والتضخيم والسخرية وتعكس بعد مفاهيمياً وعن واقعية مابعد الحداثة التي تحمل بعداً ميتافيزيقياً وتسعى لتدعيم الشخصية الفردية عبره ومن خلاله ، أما لوحة الواقعية المعاصرة فينظر إليها على أنها امتداد لمجتمعها وتفاعل ديناميكي معه ،وهي بعيدة كل البعد عن السوريالية رغم كونها تعالج جوانب غير محسوسة لأن السوريالية قامت على التضاد بين الحقيقة والحلم.
هذا وتتألف حركة الواقعية المعاصرة من اتجاهات عدة ويتبعها العديد من المدارس ولكنها تتفق في المبادئ الأساسية التي وضعها المؤسسون ، ومن أشهر الواقعيين المعاصرين ويليام بيلي(1930-    ) وهو رسام تشخيصي بالدرجة الأولى ويشغل كرسي التصوير في مدرسة الفنون بجامعة ييل المريكية وله مقتنيات في متحف نيويورك للفن الحديث ومتاحف بوسطن والمتحف القومي للفنون الجميلة في العاصمة واشنطن ويقول بيلي عن أعماله الفنيه "إن لوحتي ليست من الحياة الحقيقية ومع ذلك فهي أقتبست من موقف حقيقي من اشياء حقيقية لكني أنا من أعطيها الأدوار ومن تجميعاتها أصنع عقدة المشهد انني أرسم من ذاكرة الموقف الذي أصنعه في مخيلتي وأستكشفه على سطح اللوحة وقد استكشفه مرة أخرى مع المتلقي ومع ذلك فالأشياء التي أرسمها لا تحتوي ولا تمثل أية رموز العلاقات بينها هنا هي البطل وهي أهم من شخصيتها المنفردة هذه العلاقات تغير رؤية المشهد تماماً وتجعله حيوياً" .
وأيضاً هناك الرائد الذي عده النقاد الأميريكين أهم رسام تشخيص في الفترة من 1960وحتى 2000م وهو الفنان فيليب بيرلستين (1924م-       ) والذي يقتني أعماله أكثر من سبعين متحف على مستوى العالم وهو أيضاً استاذ في معهد نيويورك للفنون الجميلة ، وقد بدأ برليستين حياته الفنية بلوحات تنتمي للتجريدية التعبيرية ولكن سرعان ما أصبح من أهم فناني الواقعية المعاصر التي أعطته الحرية والمجال لأن يرسم الجسد العاري ليس كمصدر للجمال ولا تعبيراً عن الخصوبة بل كحقيقة كونية بكل بساطة على حقيقته بعيوبها ومحاسنها بعيدا عن الميثولوجيا والدين والتاريخ ،يرسمه بمفهوم القرن العشرين حيث يقبع الجسد تحت الأضواء المنسابة في زاوية الأستوديو التي تكشف حقيقته كتكوين وكتلة وخطوط ويبدوا هذا جلياً في لوحاته "موديلات ومرآة" فهي مثال واضح على نظرة بيرلستين للجسد كشكل مجرد .
أما ليا بيهنكي (1946م-      ) وهي ايضاً أستاذة في مدرسة نيويورك للفنون البصرية فقد وصفتها الناقدة فيرجينيا آن بونيتو بأنها الفنانة التي توظف معرفتها وخبرتها بالفن والعلم لإيجاد طريقة قياسية تعكس فهمها للكون ، فالفنانة التي درست التصميم الداخلي ودعمت دراستها بعد ذلك  بدراسات عن فنون العمارة في مدينة نيويورك وبدأت حياتها كنحاته تنحت تماثيل صرحية لكائنات تبدوا وكأنها تشق طريقها في الفضاء في محاولة منها لتحديد الفضاء بالشكل وليس العكس استغلت كل هذه المعارف والولع لترسملوحات استطاعت فيها أن تحدد هندسة العناصر وتجعلها تعكس الميكانيزم تاذي بداخلها وتوظفها لكي تتفحص الفضاء الداخلي والخارجي للأشياء وتظهر حركة الجمادات من خلال الظل والقدرات اللونية وأبعاد الشكل وقد لجأت في هذا لاستعمال خامة من أصعب الخامات استخداماً على الإطلاق وهي الألوان المائية لتعكس ذلك الحوار بين الثقافة والطبيعة ،بين ماصنعه الانسان وما لم تمسه يده في تمثيل الجوهر الحقيقي للواقعية المعاصرة المحتفية بالإنسان الحقيقي والتي ترى في هذا الاحتفاء الدور الحقيقي للفن الذي هو وسيلة لانسجام البشرية مع الكون .







الأربعاء، 3 يونيو 2015

إكسبو ميلانو 2015 ... فنون وثقافات العالم - مقال شذى يحي مجله الهلال يونيو2015



تستضيف مدينة ميلانو الإيطالية في الفترة من 1مايو إلى 30أكتوبر2015 الدورة الجديدة من الحدث الأهم في دنيا المعارض الدولية وهو المعرض العالمي الذي يقام مرة كل خمسة أعوام وذلك بمشاركة أكثر من مئة وستين دولة وتحمل هذه الدورة شعار "إطعام العالم – طاقة للحياة" في محاولة من العارضين والمنظمين لإلقاء الضوء على حلول تسعى لإطعام 870مليون إنسان يعانون من امراض الجوع وإيجاد حلول أيضاً لمشكلة  2.8مليون إنسان يموتون من امراض البدانة سنوياً هي مشكلات لخصها رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو ريزي في قوله "هناك مليار إنسان في العالم يعانون من الجوع في مقابل مليار آخرين يعانون من التخمة ولابد من إيجاد نوع من التوازن بين هاتين الحالتين" ، وصرح البابا فرانسيس بابا الفاتيكان أيضاً بأنه " لابد من مد جسور التفاهم بين الشعوب لإيجاد نوع من التكافؤ والإكتفاء بين البشر" فهدف هذا المعرض الساسي هو احتضان التكنولوجيا والاختراعات والافكار الحديثة وكذلك الثقافات  والتقاليد والإبداعات المتنوعة لمد جسر للتواصل  يسمح بإيجاد حلول لمشكلتي الغذاء والطاقة وتعد هذه هي المرة الثانية التي تنظم فيها مدينة ميلانو هذا المعرض وهي  الأولى منذ مئة عام حيث سبق لها تنظيمه في العام 1906م ، وقد مر هذا المعرض العريق الذي أقيمت دورته الأولى في لندن في العام 1851م تحت اسم المعرض العظيم لصناعات كل الأمم بثلاثة مراحل رئيسية في تاريخه تغيرت فيها أهدافه وفقاً للظروف العالمية ، المرحلة الأولى كانت مرحلة التصنيع مواكبة للثورة الصناعية في الفترة من 1851م وحتى 1938م، والمرحلة الثانية مرحلة التعريف الثقافي والتبادل المعرفي 1939م وحتى 1987م، والثالثة مرحلة التأكيد على هوية الشعوب والأمم في إطار العالم الواحد واستمرت م1987م وحتى الدورة الحالية التي ركزت على ان التنوع الثقافي والعرقي لا يعوق محاولات خلق مستقبل افضل للبشرية وأن احترام قيم التنوع والاختلاف لا يقف حائلاً أمام سد الفجوة بين الأغنياء والفقراء وحل مشكلات مثل الجوع والرعاية الصحية واللاجئين ، ولمصر تاريخ طويل مع المعرض الدولي بدأ في باريس في العام 1867م حيث كان لمصر جناح ضخم على مساحة ستة آلاف متر مربع  صممه  ديرفيه وشميتز واحتوى على مجسم لقصر ضم سلاملك لاستقبال الضيوف ومقر إقامة للخديوي إسماعيل الذي حضر المعرض ومجسم لوكالة تجارية ضم نماذج من الحرف و المصنوعات ومظاهر الحياة المختلفة في القاهرة بالإضافة لأشكال من الفنون والراقصات ومجسمات نحتية من الطين ومجسمات لمقامات المشايخ وقصر ضم مجسم كامل لخريطة مصر وأعمال الإنشاءات كاملة التي كانت تجري في مشروع قناة السويس ومعبد فرعوني عبارة عن مجسم لمعبد فيلة ضم متحفاً للآثار المعارة من متحف بولاق وآخر للتاريخ الطبيعي ، هذا الجناح كان من القوة والعظمة لدرجة ان الصحف الفرنسية في تلك الفترة وصفته بأنه الأكثر بنائية وإكتمالاً وتعبيراً عن فكرة المعرض الدولي ووصف أيضاً بأنه انجاز عبقري مذهل ورائع أعاد للأذهان مدى عظمة مصر وثراءها في الوقت الحاضر كما وصف تشارلز إدموند مؤرخ الحدث المعبد الفرعوني والطريق المحفوف بتماثيل أبو الهول المؤدي إليه "بأنه أعاد إلى الحياة أقدم اشكال الحضارة البشرية بفنها وعمارتها وديانتها كأن ابطال التاريخ القديم يمشون أمام الزوار".
 ثم توالت مشاركات مصر ونجاحاتها أيضاً في المعرض ففي فيينا 1873م شاركت بمجسم لجامع وضريح السلطان قايتباي وضم المجسم في داخله كل الصناعات والفنون التي وجدت في مصر في تلك الفترة ، وفي العام 1878م في باريس شاركت مصر بمجسم كامل لمعبد أبيدوس الذي كان قد اكتشف حديثاً ووضع به  أيضاً أصحاب الصناعات والعارضين وكان ميرييت بك مكتشف المعبد هو قوميسير المعرض ، وفي باريس1989م عادت مصر بمجسم كامل لشوارع وحواري القاهرة القديمة صممه مهندس فرنسي وبناه الحرفيين والفنانين المصريين وأذهلت مشربياته و إضاءتها الداخلية الزوار الفرنسيين والأجانب وضم الكثير من الفنون والصناعات ووسائل الترفيه ووصف بأنه كان الجناح الكثر تشويقاً وإمتاعاً في المعرض .
أما في شيكاغو 1893م فقد شاركت مصر بجناح أذهل الأمريكان وصنع بالكامل في مصر وتم شحنه للولايات المتحدة الأمريكية واحتوى على مسرح ومجسم لشوارع القاهرة ومجسم لمعبد آمون واستخدمت الأضواء الكهربية في إضاءة أعمدة المعبد الزجاجية وكان هذا اختراعاً حديثاً في تلك الفترة وتم نقل أكثر من مئتي راقص وراقصة وحمير وجمال أعادت تمثيل خروج المحمل للحج وصناع سجاد وفنانين حتى سمي الجناح بالقاهرة المصغرة ونال أكبر عدد من الزيارات ، ثم كان معرض العام 1900م في باريس وشهد المرة الأولى التي لا تمثل فيها مصر كدولة مستقلة بل كمستعمرة بريطانية وهو ما جعل المساحة المتاحة لها تصغر والإمكانات تقل ومع ذلك فقد بنت مصر المعبد والسوق والمسرح إضافة إلى مجسماً كاملاً لخان الخليلي في ثلاثة أماكن مختلفة وليس في جناح واحد ، وقد عادت مصر لتمثل كدولة مستقلة في العام 1937م بعد عام واحد من توقيع معاهدة 1936م حيث شهد هذا المعرض تغيراً جذرياً حيث أسند تصميم وتنظيم المعرض للفنان التشكيلي المصري نحميا سعد ومعه كل من الفنانين محمد ناجي ومحمد لبيب ومارجو فيون وقد جاء الجناح المصري رائعاً مذهلاً ومشرفاً ورغم قوة العارضين ووجود أسماء في العرض مثل بيكاسو ودوفي وسبيرز إلا أن العرض حاز على إقبال جماهيري قوي واحترام الزوار والعارضين ،كما عرضت مارجريت نخلة لوحات فنية في معرض فنون أقيم على هامش الحدث الرسمي ومصاحباً له  .
هذه لمحة من تاريخ مصر مع المعرض الدولي نعود بعدها لإكسبو2015م الذي شهد تمثيلاً مصرياً ضعيفاً ومخيباً للآمال لا يليق بعراقة مصر واسمها فالمعرض الذي شهد تمثيلاً قوياً واجنحة ضخمة معبرة عن ثقافات وفنون وتواريخ دول مثل الكويت ودولة الإمارات العربية شهد مشروعاً مصرياً ضئيلاً تحت عنوان إيزيس بذرة الخصوبة حكاية لا تنتهي عبارة عن جدارية تفتقر لأدنى أسس العمل الفني تصلح في أفضل الأحوال لحائط في مقهى شعبي متواضع وشاشتين إحداهما تفاعلية يرى فيها الزائر نفسه يرتدي ثياباً فرعونية والأخرى تعرض فيديو فقير المستوى للمعالم السياحية والآثار وزراعة القمح كل ذلك موضوع على خلفية زرقاء ،يصاحبه بازار لعرض التحف والسلع المقلدة إلى جانب بعض انواع الأطعمة الشعبية التي قام على تقديمها أحد المطاعم المصرية "بمدينة نصر" التي تقدم الطعام الإيطالي وهو مانشر على الصفحات الرسمية للحدث على شبكة المعلومات أيضاً؟؟؟!!! ووضعت شعارات المطعم على الجناح وعلى المطبوعات والملصقات الإعلانية الخاصة به وكذا على ملابس العاملين مع اسم مصروأجهزة لوحية اجنبية الصنع بسماعة عليها تطبيق تفاعلي لشخوص فرعونية كرتونية !! هذا هو تمثيل مصر في معرض لتكنولوجيا وثقافة الغذاء والإنسان ،هذا كل ما مثل حضارة السبعة آلاف عام في المعرض الدولي إكسبو ميلانو 2015 على المستوى الرسمي ،أما الثقافة والفن المصريين فتمثيلهما الوحيد جاء عن طريق دعوتين شخصيتين للفنانين جمال مليكة وسماء يحي وجهتهما منظمة "فن بلا حدود" وهي أحد الشركاء الرسميين لمنظمو الإكسبو Expo منذ عام 2001م للمشاركة في معرضها الرسمي في الفترة من ( 19أبريل وحتى 28يونيو2015 ) المقام ضمن فاعليات الإكسبو وموله الإتحاد الأوروبي والذي حمل عنوان "الفن غذاء الروح" وعرض فيه مئة وعشرين فنان ونحات وشاعر في عرض يهدف إلى جمع هؤلاء الفنانين من كافة أنحاء العالم لتوفير مساحة من المعرفة الجمالية والمقارنة بين الثقافات والتقاليد والإبداعات والمواهب من خلال هذا الخليط من أشكال التعبير عن الأرواح البشرية السامية وذلك لإعطاء قيمة مضافة لحدث يهدف إلى مد الجسور بين الأمم وتحطيم الفوارق ولهذا نظمت المؤسسة أيضاً زيارات للمعرض وأنشطة وفاعليات آدائية للجمهور العادي ولطلبةالمدارس والجامعات أيضاً ، كما شارك الفنان مليكة في عرضين أداءيين خلال المؤتمر الصحفي الذي أقيم لإعلان العد التنازلي والاحتفالية الرسمية لافتتاح فاعليات الإكسبو2015 رسم فيهما لوحتين لأبوالهول أمام الجمهور وحاز استحساناً وإعجاباً كبيراً من جمهور المشاهدين ، أما عن أعمال جمال مليكة وسماء يحي المشاركين في المعرض الرسميي فقد وفق الفنانين في التعبير عن تيمة العرض بهوية وطنية خالصة فعرضت سماء يحي لوحتين الأولى لامرأة جالسة تبدو بعينيها المغمضتين كانها تحلم امرأة خصبة تعكس خصوبة الأرض وازدهار النباتات وحالة النماء الكوني والإنساني على خلفية بألوان مشرقة وزهور تأمل في مستقبل أفضل حالة من الصفاء الكوني أظهرتها ليونة الخطوط ونعومتها في مشهد تحتفل فيه بالأمل والصفاء والسلام، ولوحة أخرى لمراكب الصيد تلك المراكب التي دائماً ما حملت ومازالت تحمل المؤن والخير والرزق في الموروث الشعبي المصري وهب من حملت الإنسان عبر البحار ليبني الحضارة ويمد الجسور ويعمر الأرض ،بينما عرض مليكة لوحة لأبوالهول بألوان السماء شامخاً قوياً ليذكر المشاهدين بأننا المصريين أول من زرع وصنع وبنى حضارة إنسانية منذ فجر التاريخ ،ولوحة أخرى تمثل مجموعة من البشر في حالة من النقاش وسط جلبة من الخطوط والألوان يبدو للرائي وكأنهم يتصارعون أو ربما يتحاورون في صخب كبير وكأنه يعبر عن الحالة في مصر بل الحالة في العالم الآن بهذه الجلبة هي صرخة لكي نهدأ ونعرف أننا جميعاً معاً معلقين بمصير واحد،هذه اللوحات الأربعة كانت بمثابة فخر بالماضي وتصوير للحاضر وأمل في المستقبل بروح مصر الجميلة مازالت تلفت الأنظار وتحوز على إعجاب زوار المعرض .
هذه هي أهمية الأكسبو أو المعرض الدولي كحدث وهذا هو ما حصل فيه هذه الدورة ميلانو2015م فهل يا ترى ستستيقظ الدولة المصرية في إكسبو دبي2020م وتقدم عرض يليق بمصر وتاريخها ؟؟!!